‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلم والمعرفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلم والمعرفة. إظهار كافة الرسائل

 


ما خير ما تصنع؟ أن تشغر وظيفة لا تُستبدل فيها وتتخصص في علم لا يُستغنى عنك فيه. وقد انتبه لهذا أبو حنيفة، يقول: لما أردت طلب العلم، جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها (مثل من يبحث اليوم عن أفضل تخصص)، قيل لي: تعلم القرآن! فقلت: فإذا حفظته، فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد فيقرأ عليك الصبيان والأحداث!

قلت ثم ماذا؟ قالوا: ثم لا يلبث أن يخرج فيهم أحفظ منك أو مُساويك، فتذهب رئاستك. قلتُ: لا حاجة لي في هذا. وينتقل أبو حنيفة في قصته ويقول ثم الحديث الشريف مثله والنحو مثله ثم قيل لي: تعلم الفقه، فقلت: ما يكون آخره؟ قالوا: يسألك الناس ويفتونك ولا يستغنون عنك، قلت: ليس في العلوم أنفع من هذا فلزمت الفقه وتعلمته!

 


في كتابه «الأدب الصغير والأدب الكبير»، يقول ابن المقفع: «تعلَّم حسن الاستماع كما تتعلَّم حسن الكلام. ومن حُسن الاستماع إمهال المتكلِّم حتى ينقضي حديثه، وقلَّة التفلت إلى الجواب، والإقبال بالوجه، والنظر إلى المتكلِّم، والوعي لما يقول». باختصار، كان السلف يتعلمون حسن الاستماع كما يتعلمون حسن الكلام، فالقضية عندهم تعلم!

فكما أن للمفردة الجميلة التي تذكرها جمالًا، فإن للنهمة الإنصاتية التي تُظهرها جمالًا أيضًا. وكما أن قول كلمة باذخة تفتن المستمع، فإن قول «جميل ورائع كلامك» جمالٌ يفتن المتكلم. راجع نفسك: هل تحسن الاستماع؟ وما دليلك على قولك؟ هل تمدح المتكلم بـ «والله كلامك هذا غاية في الجمال، زدني منه»، أم توقفه بسرعة لتبدأ أنت كلامك؟!

 


ما الذي حطمتُه أدوات الذكاء الاصطناعي؟ «قيمة العلم». فالعلم أصبح لا قيمة له، لأنه فقد ميزة الاحتكار. إن من يذهب إلى الجامعات أو حتى يشترك في منصات التعليم ككورسيرا ويوديمي مثلًا، يذهب إليها ويستثمر ماله فيها ليتعلم علمًا خاصًا ومحتكرًا له يتفرد به عن الناس ويعلمهم إياه لقاء مالٍ يجنيه، عن سؤالٍ يجيب عنه.

فمن يستثمر ماله في تعليم نفسه يريد أن يسترد ماله لاحقًا من تعليم الناس. فما الفائدة أن تدفع مالًا لتتعلم علمًا يمكن لأدوات الذكاء أن تعلمه لغيرك، إذ لم يعد علمًا محتكرًا لك؟ إن أدوات الذكاء تعلمك لنفسك، لا أن تستفيد من علمها لتعلم به غيرك، لأن غيرك ستعود أدوات الذكاء لتعلمه كما علمتك ليعلم هو بعلمها غيرك! إنها دائرة محكمة الإغلاق.

 


ما الذي يؤكد أن الحواس الخمس (بصر، سمع، شم، ذوق، لمس) لا اتكال عليها معرفيًا؟ أعني أنها ليست مصدرًا موثوقًا للمعرفة؟ أنها تضللك. ولتقتنع بهذا جرّب أن تدور حول نفسك 20 لفة، ثم توقف فجأة، وسترى الأرض تدور بك وستجلس وتبدأ تتمسك بأي شيء خوفًا من أرض متأرجحة والواقع الخارجي مختلف تماما عما تراه!

 إن الأرض ثابتة وقد صوّر لك بصرك واقعًا متحركًا. ثم جرّب أن تعطي سمعك لأغنية تكررها 20 مرة وستجدها ترن في ذهنك وتسمعها وكأنما هي حاضرة، مما يؤكد بأن السمع مخادع أيضا فقد ضللك بوجود أغنية غير موجودة في الواقع الخارجي. إن الواقع الخارجي قد لا يكون موجودًا إلا في دماغك، سواءً كانت حالته ثابتة أم متغيرة.

 


ما الذي تحتاج أن تتنبّه إليه إن كُنتَ تطمح لأن تكون عالمًا من العلماء؟ أن تتنبّه إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستلغيك تمامًا. اسأل نفسك: متى كانت آخر مرة تواصلتَ فيها مع عالم لتستشيره في أمر بعد ظهور chatgpt؟ متى آخر مرة راسلت فيها باحثًا ليعاونك في كتابة جزء الإحصاء، وقد صارت تفعل ذلك أدوات الذكاء؟

إن هذا يؤكد بأن كل شخص تكمن مصادر قوته في العلم والمعرفة سيُزاح. من سيبقى؟ سيبقى (1) صاحب المال (لأن الوظائف ستتقلص مع الذكاء الاصطناعي وسيحتاج الناس لذوي الأموال) و(2) صاحب الشهرة (التافه لأن صاحب المال بحاجة إليه للتحكم بعقول الناس). أما صاحب العلم فلا ثمة أناس تتابعه ولا يملك مالًا ليتحكم!

 


ذكر الخطيب البغدادي في كتابه «تاريخ بغداد» عن محمد بن الحسن أنه قال: «ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقتُ خمسة عشر ألفًا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفًا على الحديث والفقه». تأمل كيف قسم ابن الحسن إرثه كاملًا، فأنفق نصفه على اللغة (نحوًا وشعرًا) ونصفه على الدين (حديثًا وفقهًا)، فتكامل له علما الدين (= فهمًا) والدنيا (= قولًا).

ثم تأمل كيف أن السلف كان ينفقون المال في العلم. فالأمر يشبه أن تنفق مالك اليوم على دورة تدريبية أو دبلوم عال أو كاشتراك في chatgpt، فهذا خير استثمار. ولكن هل تنفق في الواقع على العلم؟ تنفق على أن تتعلم علمًا ومعرفةً خاصة ثم تنمّيها؟ هل ستخصص خطة لسنة 2026 تتعلم فيها علمًا كاملًا لكل شهر فتخرج منها بـ 12 علمًا؟

 


أتذكر هنا تجربتي الخاصة. فقد ذهبتُ إلى الجامعة لأتعلم علم الإحصاء من بروفيسور متخصص، فكان مشغولًا يكرر «بكرة باكر بكرة باكر» (مع حذف باكر فلم يكن يقولها ولكنه كان يضمرها)، وراسلتُ هنديًا لأتعلم منه علم «سحب البيانات» (data scraping) وهو في أمريكا وكان يكرر «إبقى قابلني على zoom» (مع حذف «إبقى»).

ولما برز الذكاء الاصطناعي، صار شيخًا عند رأسي، فدعوني أفخر بشيخي، علمني شيخي لمدة شهر بناء التطبيقات من الصفر، فأنشأتُ 3 تطبيقات ونشرتها، ثم علمني لمدة شهر بناء نماذج كشف لخطاب الكراهية، فكتبت 3 ورقات نُشرت واحدة في مجال معالجة اللغات الطبيعية، وقد كانت حلمًا. وسيعلمني شيئًا آخر بشرط أن أمنحه شهرًا.

 


هل سمعت باللغة الإنجليزية الأساسية؟ إنها لغة طوّرها تشارلز كاي وآخرون عام 1925-1933م بهدف تبسيط اللغة وهي تتشكل من 850 كلمة فقط (مثل: ذهب، أكل، الرجل، جلس، قام، قال، عن، في، إلى، متى، أين). إنها لغة بسيطة يفهمها الجميع، وقد تُرجمت إليها روايات وكأن الإنسان لا يحتاج عددًا ضخمًا من الكلمات.

اليوم تصل كلمات اللغة الإنجليزية إلى أكثر من مليون كلمة، فما الذي نتعلمه هنا؟ أن «اللغة تُطور الفكر». فإذا كانت لغة أجدادنا بسيطة ومحصورة، فإن فكرهم وعلمهم كان أيضًا بسيطًا ومحصورًا. وحين انفجرت اللغة اليوم إلى مليون كلمة، تطور العلم أكثر. فبقدر ما تزيد الكلمات مستقبلًا تتوسع المعرفة. وبقدر ما تقل الكلمات، تتقيد المعرفة.

 


الحيل النفسية كثيرة والأفكار العلمية عديدة، ولكن هل تطبقها؟ ربما لا تطبقها، ولكن هل تعلم بأن «أجر العلم يحدث حين تطبق العلم لا حين تجمعه». يقول أنس: «تعلموا العلم ما شئتم أن تتعلموا، فإن الله لا يأجركم على العلم حتى تعملوا به». أي أن الأجر على العلم العامل لا العلم الخامل. إن ديننا يفاجئنا دومًا بأقوال مؤثرة وأثيرة.

تخيل أن الأجر غير مربوط بجمعك للعلم، أيًا يكن حجم هذا الجمع. الأجر فقط مربوط بعملك للعلم، اعمل تؤجر! فكم من علمٍ ستطبقه، وكم من علمٍ ستتطور به. نعم، احفظها وقل لنفسك: لا فائدة من كل علمٍ لم أعمل به، فلا أجر لي على تحصيله؛ ففائدة وأجر علمي تأتي من تطبيقه. بهذا تزداد تطورًا في الدنيا، وتزداد ترقيّا في الآخرة.

 


كنتُ في جلسة فذكر أحدهم لفظة نابية، فقلتُ مستفزًا له: من الأفضل أن تُعرّض بالكلمة ولا تذكرها صراحةً. قال: هذا من العلم، و«لا حياء في العلم». وقد صدق، فلا حياء في العلم ولا ينبغي أن نخجل من ذكر الألفاظ إن كانت في سياق علمي، ولكن لننتبه هنا كثيرًا: كلامه صحيح، ولكن «لا حياء في العلم إن كان السياق كله علم».

بعبارة اخرى، تحدث عن فرج المرأة وذكر الرجل صراحةً إن كانت حصة علمية عن الولادة أو عن فقه الوطء مثلًا. فلا مجال للتعريض الدائم وتكرار التعريض، فـ «الكلمة هي عنوان الموضوع»، وثمة مشقة في تفاديها. أما جملة عابرة تظهر في سياق عام وسياق سوالف اجتماعية، فيُكتفى بالتعريض عنها وعدم ذكرها، لأنها ظهرت مرة ولن تظهر مجددًا.

 


خذها قاعدة: «تعزيز المعلومات أهم من تجديد المعلومات». رغم أن الكل يبحث عن تجديد معلوماته، إلا أن المعلومات الجديدة ليست هي الضامن للنجاح والتطوير. نعم، ليس كل معلومة جديدة قد تضيف إليك وتقويك، بل قد تشتتك وتقوّضك وترخّيك. اقتنعتُ بهذا حين تابعت دورة مكررة، فوجدتُ نفسي بحاجة إلى التكرار!

إن ثمة أفكار قديمة لم أستوعبها بعد وهي أحق من غيرها بالتعلم. فتعزيز فكرة قديمة في نفسي لتطرأ في ذهني تلقائيًا (من كثرة تكرارها) ستطورني أكثر من فكرة جديدة تقتحم نفسي لتطرأ الآن ثم تغور وتختفي بعد الآن. أرجوك، لا تنخدع بالأفكار الجديدة أيّا تكن. العلم «توطئة» لا «تكملة». قبل أن تُكمل البنيان فكر طويلًا في أن توطّد الأركان.

 


خذها قاعدة: «أفضل معرفة هي التي نشعر بعدها بحاجتنا إلى المزيد منها». من عادة الذكاء الاصطناعي أن يجيب على الأسئلة التي تطرحها، ولكن من عادة بعض أدوات الذكاء لا كلها - أن تختم كل إجابة بسؤال من نوع «هل تريد أن أشرح لك أكثر في المسألة الفرعية هذه أم المسألة الفرعية تلك» وذلك ليتحقق من كفايتك المعرفية.

إذا ظللت لساعات وساعات تطلب المزيد فهذا يعني بأنك في جوع ونهم إلى معرفة جميلة ولذيذة تدفعك للتوسع؛ وإذا طلبت تغيير الموضوع فهذا يؤكد تشبعك من معرفة مملة. كلما طلبت شرحًا موسعًا واستطرادًا مفصلًا، فلا تقلق. هذا لا يؤكد ضعفك بقدر ما يؤكد أنك أمام زوايا مظلمة ومثيرة في عقلك بحاجة أكثر إلى الكشف والتنوير.

 


ما خير ما تصنعه؟ أن تصبح كـ «أبي اسحاق» المعروف بـ «ابن دِيزيل». ليس وقود الديزل ولكن هكذا اسمه، وهو محدث وعلامة من السلف الصالح. كان يلقب بالسيفنّة. والسيفنة طائر من مصر يحط على الشجرة فيأكل جميع أوراقها حتى يعرّيها. يُقال: كان ابن ديزيل كالسيفنة يلازم شيخًا واحدًا فيأكل علمه حتى يعرّيه، فلا يبقي له شيئًا.

فبدلًا من أن تتابع الكل عبر وسائل التواصل وتأخذ من هذا وتنقل عن ذاك، تابع شخصًا واحدًا وكُلْ مما يقول، حتى تعرفه وتعرّيه. كذلك كان ابن ديزيل يسمى بـ«دابة عفان»، لملازمته لللمحدث عفّان الأنصاري، فكان يحمله وينقله ليتعلم منه. هل لديك صديق متعلم يمكنك حمله بسيارتك إلى المقاهي والمطاعم لتتعلم منه فتكون بمثابة دابته؟!

 


خذها قاعدة: «التعلم من الزملاء الأقران أسهل وأنفع من التعلم من العلماء الأفذاذ». ثمة علماء كبار وثمة متعلمون صغار، وثمة أقران متساوون معك في المستوى والمعيار. لا تقلد العلماء الكبار ممن تجاوزوا علمك بـ 80%، ولا تقلد المتعلمين الصغار ممن تجاوزتهم أنت بنسبة 80%. قلّد أقرانك وستصل إليهم، فالفارق بينكما 10-20%.

إن المشكلة الكبرى تكمن في كون طالب العلم لا يحب أن يتعلم من زميله وقرينه كما يحب أن يتعلم من مدرسه ومعلمه. ولذلك، تجده يقلد معلمه فلا يصل إليه، ويتجاوزه زميله فلا يستطيع اللحاق به. جرب هذه الخطة: تواضع واقرأ لأقرانك ثم تعلم منهم. امممم، هل تشعر بصعوبة في ذلك؟! قلتُ لك سلفًا: إنه التحدي الأكبر الذي عليك تجاوزه!

 


سُئل الحافظ عبدالغني الأزدي عن أحسن الناس كلامًا وتعليقًا على أحاديث النبي ، فقال: «ابن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته». تأمل كلام عبدالغني الأزدي فقد حدد لكل وقتٍ شخصية، ولم يقل «ابن المديني وموسى بن هارون والدارقطني» هكذا، بل حدد أن الأفضلية ليست أزلية بل وقتية.

ماذا نتعلم هنا؟ نتعلم ألا نلغي السابقين ونشطبهم باللاحقين، فلا نقول مثلًا «أفضل العلماء آينشتاين» ونصمت؛ بل نقول: «أفضل العلماء آينشتاين في وقته، ونيوتن في وقته، وجاليليو جاليلي في وقته، وابن حيان في وقته، وابن الهيثم في وقته إلخ»، فبهذا نحفظ حقوق الأفذاذ. أن نجعل الأفضلية محدودة بالعصر، لا منفلتة في الدهر.

 


جميل أن تكون إنسانًا مثقفًا ومتعلمًا، ولكن ما أجمل لو كنت مثقفًا ومتعلمًا، وفوق ذلك مرحًا وفرفوشًا، صدقني ستكون أجمل بكثير. وما أحلى لو كنت فوق ما أنت مثقف ومتعلم، ومرح وفرفوش، كريًما ومعطاءً تعطي الناس من حولك. صدقني ستزداد جمالًا بهذا أكثر. وش يبغى الناس أكثر من مثقف متعلم مرح فرفوش كريم معطاء!

لكن ستكون الأمور أحلى لو كنت تهتم بمظهرك وجاذبيتك، يا سلام يا الاكتمال. ولو كنتَ فوق ذلك مشجعًا وإيجابيًا، تشجع كل من حولك وتمدحهم على أشكالهم وأخلاقهم وتدعمهم نفسيًا. يا إلهي لو استطعت ذلك! الرسالة: لا تغرق في جانب وحيد من حياتك كالثقافة مثلًا. كثّر من الصفات الجيدة فيك لتكون كذا وكذا وكذا وكذا.

 


ما الآية التي ينبغي أن تقرأها الآن وتنتبه لمعناها جيدًا؟ قوله تعالى «وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ». إننا نعتقد دائمًا بأن «طلب العلم» شيء جميل، ونشجع الناس على التعلم والدراسة؛ ولكن الله هنا ينبهنا بأن ثمة أناس «يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ». إنك قد تتعلم الآن ما يضرك، لا ما ينفعك. إنك تتعلم شيئًا ضارًا ولكنك لا تشعر!  

«لا، لا، أنا أتعلم شيئًا مفيدًا وهو اللسانيات، اللغات والأصوات إلخ». لا مشكلة، ولكن الضرر قد لا يكون في تعلم اللسانيات نفسه، ياخي، انتبه وركز شوي معي، الله يرحم لي أمك! الضرر قد يكون في كون اللسانيات قد أشغلتك عن تعلم ما ينفعك أصلًا، وهذا «الإشغال» هو الضرر الذي تجنيه الآن من تعلم اللسانيات. صحصح ياخي!

 


ما الذي يعجبني في الدين؟ قول العلماء فيه: «كل علمٍ لا ينبني عليه عمل هو علمٌ لا ينفع». لذلك، حين يسأل البعض مشايخ كبار من أمثال الفوزان عن اسم زوجة إبليس أو عن زواج الجن بالإنس، يستخفون بمثل هذه الأسئلة ولا يجيبون عليها، كونها أسئلة لا قيمة لها، فكل علمٍ لا ينبني عليه عمل لا يحتاج إليه الإنسان، فماذا نتعلم من هذا؟

نتعلم قيمة «العمل» (action) أثناء تعلم العلوم. فكل معلومة تمر بها لا تستحثك على عمل، ولا يتبين لك جانبها التطبيقي، ولا تستطيع أن تنفذها في حياتك الخاصة، وتجدها معلومة مجردة لا يمكن تطبيقها كتمرين، فهي معلومة لا قيمة لها. فكما يقال: «العلم بلا عمل جنون والعمل بلا علم لا يكون». هل ثمة تمارين تطبيقية لما تقرأ عنه الآن؟  


 


ما هو تعريف الصواب والخطأ؟ «الصواب هو ما وافق معتقدك، والخطأ هو ما خالف معتقدك». هكذا بكل بساطة؛ فمعتقداتك تُسهم في تعريف الأشياء الصحيحة من الخاطئة بحياتك. هل تعتقد اعتقادًا جازمًا بأنك غير ناجح ولا متفوق؟ حين تعتقد ذلك، فسترى أن من الصواب عدم الاهتمام بالنجاح والتفوق، فهذا يوافق معتقدك عن نفسك.

باختصار، لن تجد خطأً في ترك المحاولة من جديد، بل من الخطأ أن يقنعك شخص بالمحاولة في أمر لن تنجح فيه أصلًا. ما أريد قوله هنا أن «المعتقدات هي ما يحدد الصواب والخطأ عند الإنسان». ليس ثمة صواب وخطأ، حتى فيما اتفقت عليه البشرية كلها. فثمة «معتقدات» مشتركة بين البشر، هي بالضبط هي ما حددت الصواب والخطأ لديهم.

 


خذها قاعدة: «العلم الكثير ليس أجدى وأنفع من العلم القليل». وحتى تفهم هذا، راجع كم من الأفكار الوافرة بذهنك ولم تفدك بشيء. ثمة انفجار معرفي هائل، ويمكنك اليوم الوصول إلى المعلومات بسهولة، ولكن ماذا قدمت لك هذه المعلومات غير المزيد من التوتر والقلق؟! نعم، «إن العلم الكثير ليس أجدى وأنفع من العلم القليل».

فالنسبية لم يُنشئها آينتشاين إلا في جوٍ من العلم القليل، ونيوتن لم يصل إلى الجاذبية إلا مع حفنة كتب، ومكتشف لقاح الجدري وصل إليه عن علمٍ محدودٍ أيضا. انفجرت المعلومات ولم نتقدم كثيرًا، فما البشارة؟ البشارة أن الناس يزدادون وعيًا اليوم بأن كثرة المعرفة لا تجدي نفعًا، وبالتالي سيتجهون إلى تنظيمها وترتيبها وتقليل أسسها ما أمكن ذلك.