‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون وآداب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون وآداب. إظهار كافة الرسائل

 


هل تريد بيتًا جميلًا من الشافعي؟ خذ هذا البيت: «جزى الله الشدائدَ كل خيرٍ، عرفتُ بها عدوي من صديقي». وهذا بيت رائعٌ من جانبين، الأول أنه حكمة تبين بأن الشدائد هي المعيار والاختبار، وأنها هي ما يستحق الاحتفال، فهي ما يفصل الصديق من العدو. هل مررت بأزمة عرّفتك صديقك من عدوك؟ إنها نعمة من نعم الشدائد.

الأمر الآخر هو أن البيت السابق تم اختزاله، فهو مربوط من بيتين: «جزى الله الشدائدَ كل خيرٍ، وإن كانت تغصّصني بريقي؛ وما شُكري لها حمدًا ولكن، عرفتُ بها عدوّي من صديقي»، فعجز البيت الثاني كُتِبَ ليكون قابلًا للربط بصدر البيت الأول، وهذا فنٌ بلاغي: أن تكتب قصيدة من بيتين وتجعلها قابلة للخزل والربط في بيتٍ واحد.

 


تحكي القصة أن رجلًا إيطاليًا ذهب إلى طبيب نفسي في روما ليتعالج من اكتئاب مزمن، فنصحه الطبيب بأن يستعين بالملهيات والتسالي ونصحه بأن يذهب خصيصًا إلى مسرحيات الكوميدي الإيطالي كارلينا، فهي تزيل الحزن والكآبة. قال الرجل: وماذا لو كنتُ أنا كارلينا! إنها قصة تخبرك أن المهرج قد يصاب باكتئاب وهو مصدر الإسعاد.

إن هذه القصة التي أوردها علي عزت بيجوفيتش في كتابه «هروبي إلى الحرية» تضعنا أمام فكرة هامة، وهي أن «مصدر السعادة من الخارج لا الداخل». فهذا الكوميدي يطالب بمصدر خارجي يسعده، فالسعادة التي بداخله تسعد الآخرين لأنها سعادة تأتي للآخرين من مصدر خارجي. فهل هذه القصة تتحدى مقولة «ابحث عن سعادتك بداخلك»؟!

 


تحكي القصة أن كاتبًا كان يتقاضى مبلغًا على كل قصة ينشرها في مجلة، وفي ليلة ما، كتب قصة فاتنة، قرأتها زوجته فبكت منها إعجابًا بها. أرسلها الكاتب إلى المجلة وسارعت في نشرها وتلقاها الناس بابتهاج، وزاده المحرر علاوة. في اليوم التالي أرسل الكاتب قصة متوسطة الجودة فرفضها المحرر وأوقف المكافأة مطالبًا بقصة كالسابقة!

تورط الكاتب وزوجته فبدأوا بمراسلة مجلة أخرى باسم مستعار وبقصص متوسطة المستوى ونُشرت وتلقوا المبالغ! وفي ليلة ما، كتب الكاتب قصة قرأتها زوجته فبكت! وحينها ذعر الزوج والزوجة ومزقوها. إنها قصة تخبرك أن «العمل الجيد قد يقتل صاحبه»، وتخبرك بأن «المنتجات متوسطة الجودة قد تدر مالًا أكثر من المنتج الوحيد عالي الجودة».

 


ما أجمل أبيات قرأتها هذا الأسبوع؟ قول الشاعر: وإذا الشدائدُ أقبلت بجنودِها، والدهرُ من بعد المسرّةِ أوجعكْ. لا ترجُ شيئًا من أخٍ أو صاحبٍ، أرأيت ظلَّك في الظلام مشى معك؟ وارفع يديك إلى السماء ففوقها، ربُّ إذا ناديتَه ما ضيّعك. وخير ما فيها قوله أن ظلّك وهو القريب منك خذلك في الظلام، فكيف بالله ترجو نجاةً من أخٍ أو صاحب؟

نعم، إن الاحتماء بالله خير احتماء، ولكن البعض لا يستطيع استشعار حمية الله، لأنه يستشعر بُعد الله عنه، فالله بعيدٌ عنه في السماء. متى ما استغل النص واستشعر أن الله معه وقريب منه كقرب ظله له تغير شعوره، ظلٌ روحي يرافقه في الليل والنهار. وكذلك أنت، متى ما تستشعر بأن الله قريبٌ جدًا منك كقرب ظلك لك، سيتغير شعورك كاملًا.

 


حين يقول علي بن الجهم «إذا ذهب العتابُ فليس ودٌ، ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ»، فإنه يؤسس لقاعدتين هامتين. القاعدة الأولى أن ذهاب العتاب واستبداله بالنقد والتهجم ينفي الحب ويُقصيه (وهذا معنى إذا ذهب العتابُ فليس ودٌ). أما القاعدة الثانية فتقول بأن الود يبقى ما بقي العتاب، فالعتاب سبب لإبقاء الود والعكس صحيح! لماذا؟

إن هذا مبنيٌ على أساس أن «كل ابن آدم خطّاء»، وطالما أن ابن آدم سيخطئ، فلا حل لإصلاح خطأه إلا بالنقد الناعم (وهو العتاب) لا النقد اللاذع (وهو التهجم). تعلم من هذا وقل قبل كل نقد توجهه «وأنا أعتب عليك عتابَ محب لأن كذا وكذا»، وقل بعدها ما تشاء من نقد، فهذه عبارة ذكية لتسديد «النقد الناقم» وإبقاء «الود الدائم».

 


ما خير بديل للتكرارات الإيجابية؟ أن تكرر «الأبيات الشعرية». فالأبيات الشعرية تتركُ أثرًا في المرء لا تتركه التكرارات الإيجابية، كأن تكرر مثلًا «دع الأيام تفعل ما تشاءُ، وطب نفسًا إذا حكم القضاءُ» لصد الحَزَن، أو «بِمَ التعللُ لا أهلٌ ولا وطنُ، ولا نديمٌ ولا كاسٌ ولا سكنُ»  لتخفيف الشَجَن، وابحث «وستجد لكل شعورٍ شعر».

لقد وعى العرب أهمية الشعر في التحفيز، يقول معاوية: «والله إن كان العاق ليروي الشعر فيبرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل؛ ووالله لقد وضعتُ رجلي في الركاب يوم صفين مرارًا، ما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة، وتمثل بها». يقصد: «وقولي كلما جشأت وجاشت، مكانك تحمدي أو تستريحي».

 


ما المقولة التي تأثرتُ بها وأراها مُعينة في الاستمرار في «الكتابة دون كآبة»؟! إنها مقولة اعترضتني ربما في كتاب «الأدباء» (دار أدب) وأظنها منسوبة إلى الأديب الروسي أنطوان تشيخوف، يقول فيها: «اكتب ثم اكتب ثم اكتب!». فتشيخوف يرى أن الكتابة تستقيم في الجولة الثانية (جولة التصحيح) لا في الجولة الأولى (جولة الصراع مع الأفكار).

إنني حين أتذكر مقولة تشيخوف أجدني أكتب وأكتب بلا انقطاع، وأجد فكري ينتظم بعد الكتابة حقًا، وكأنما «الكتابة تصحح الفكر أولًا ثم يتدخل الفكر ليصحح الكتابة». إذن، اجعل هذه خطتك الكتابية: ابدأ أولًا وفي ذهنك «الخطوط العريضة»، ثم احرث الورقة بالكتابة العشوائية وسيظهر لك أثناء الحرث ما تشتهي بذره من «سطور أثيرة».

 


لمن تكون العاقبة؟ لمن يصبر. إن الفوز والنجاح يكونان لمن يصبر ويتمالك، والهزيمة والانكسار لمن يجزع ويتهالك. يقول النابغة الجعدي: سقيناهمو كأسًا سقونا بمثلها، ولكنهم كانوا على الموت أصبرًا. يقول بأنهم كانوا أفضل منهم لأنهم صبروا فقط. فالقوة ليست في العتاد بل في الصبر والعناد. فماذا يعني أن «تصبر»؟ يعني أن «تصمل».

إن الصابر هو الصامل والصبر هو الصملة ولكنك حين تقول «سأصبر» بالفصحى تتخيل شخصًا يُطأطئ رأسه ويتكاسل وحين تقول «يصمل» كما في اللهجة تتخيل شخصًا يرفع رأسه ويواصل. بدّل عبارتك «سأصبر على البلوى» بـ«سأصمل على البلوى» وستجد معنى الصبر الحقيقي الذي فات عليك، فقد كنت تظن الصبر قبولًا بلا عمل.

 


«لعل عُتْبَك محمودٌ عواقبه، فربما صحّتِ الأجسامُ بالعللِ»، هذه نظرة إيجابية مبكرة من المتنبي. يقول لعل جسدك يصح من علة؛ تصاب مثلًا بفيروس وتكتسب بعدها مناعة قوية فيصح بها جسدك طويلًا. تصاب بصداع خفيف فتزور الطبيب لعلاجه فيكتشف مرضًا خطيرًا فيعالجه الأطباء لك ويصح جسدك بسبب علة صغيرة لم تحمدها!

يعاتبك مديرك فيزيد نشاطك، تلومك أمك فتتحسن أخلاقك، يقاطعك صديقك فتزيد علاقاتك، تفارقك زوجتك فتتحسن معاملاتك. فكر في المصيبة التي تمر بها، أو التي تخاف ملاقاتها، وتذكر بأنها أمور قد تطورك وتحسنك وتزيد من فرصك، فلربما ما تخافه «محمودٌ عواقبُه، وربما صحتِ الأجسادُ بالعللِ». احفظ البيت فهو مفيد!

 


ما الذي نتعلمه من أوس بن حجر وهو من فحول شعراء الجاهلية؟ نتعلم منه أنه كان لا يبتئس من شيءٍ قد يحدث مستقبلًا حتى يقع فعليًا. فحين يقع الحدث يُجمل ويُحسن له القلق والجزع فيقول «أيتها النفس أجملي جَزَعًا، إن الذي تحذرين قد وقعا». أما قبل ذلك فلا يجزع. يؤكد مذهبه هذا قوله أيضا: ولستُ بخابئٍ أبدًا طعامًا حذار غدٍ لكل غدٍ طعامُ.

إنه لا يحذر ولا يقلق من شيءٍ مستقبلي حتى يقع. هل تقلق أنت من الفشل قبل وقوعه؟ من المرض قبل حدوثه؟ من الموت قبل نزوله؟ لما سمع الأصمعي مطلع قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعًا، إن الذي تحذرين قد وقعا»؟ قال: هذا أحسنُ ابتداءٍ وقع للعرب. احفظ هذا البيت وردده حين يحل البلاء فقط، لا حين تتخيّله وتتعجل وقوعه.

 


كان تشيرشل رئيس وزراء بريطانيًا رسامًا بارعًا، وقد بيعت إحدى لوحاته خلال مزاد خيري بمبلغ كبير، فلما سئل عن براعة لوحته وجمالها قال «٧٠٪ شهرة، ٢٠٪ صدفة، وآمل أن ١٠٪ كانت تقديرًا لعملي». بعبارة أخرى، كان تشيرشل يرى أن سبب ارتفاع سعرها هو شهرته، و٢٠٪ كانت مصادفة وحظ، و١٠٪ تكون تقديرًا لرسمته وقد لا تكون.

قد يُقال في مثل هذه الأحوال بأن المؤسف أن ثمة رسمات لمغمورين أفضل من رسمة تشيرشل الشهير. صحيح، ولكن بالله عليك، ماذا نريد برسمة لمغمور؟ إن الناس تريد رمزيّة الصورة، تريد أن تعرف ما يقوله تشيرشل في رسمته؟ ما يختبئ في ذهنه؟ كيف تُقرأ رسمته في ظل المعلومات المتاحة عنه؟ «إن قيمة الصورة برمزها لا برسمها».

 


تحكي رواية «الأشخاص ذوو النيات الطيبة» لجول رومان - وهي من أطول الروايات إذ تتشكل من ٢٧ مجلدا - قصة رجل كان له متاجر وبنايات وأموال كثيرة وكان يحتار في صرف أمواله! فقرر أن يعلن في الجرايد أنه سيتكفل بإقراض الناس دون فائدة. فكان يُقرض بلا ربا، فوجد الناس تستحق الإقراض، فهي تقترض وتعيد القرض في الموعد!

كانت أمواله تزداد أكثر، فالقرض يعود ويُستثمر وكأنما «الخير يولّد الخير». تريد تجربتها؟ جرّب أن تعلن عن إقراض الناس من ١٠٠ ريال بشرط أن يعيدوها ١٠٠ ريال بعد فترة وبلا فائدة. ستجد منهم من يقترض ويهرب، وستجد من يقترض ويسدد، وستجد وهذا سر تضاعف الخير - من يقترض ويكافئك أكثر، لأنك كنت مقرِضًا كريمًا!

 


يقول أحمد الزيات في «تاريخ الأدب العربي»: وأما العدنانيون فعرفوا الطب والبيطرة لاتصالها بالحرب، ولاحظوا الأنواء والنجوم لعلاقتها بالكلأ والغيث وليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وبرعوا في الأنساب والأخبار والأشعار، محافظةً على عصبيتهم وتخليدا لمآثرهم، ومهروا في الفراسة والقيافة لكشف الدعي فيهم وطلب الهارب منهم.

لاحظ تبريراته الفذة ليؤكد أن العدنانيين أكسبتهم «قوة الملاحظة وكثرة التجارب واضطرار الحاجة طائفةً من العلم المبني على التجربة والاستقراء». تأمل: لولا الحرب لما عرفوا الطب، ولولا الجريمة والجناية لما عرفوا الفراسة والقيافة، ولولا السفر والأكل لما عرفوا النوء والنجم. «إن لكلِ علمٍ سبب، فابحث عن أسباب رغبتك في تخصصك».

 


كان لي صديق يقول بأنه يريد أن يكون راعيَ أغنام، لا أستاذَ جامعة، مؤكدًا بأنه لن يظفر من حياته بغير راحته. تذكرتُه يوم أمس وأنا أمرّ على شعر ابن أبي الصلت: «كل عيشٍ وإن تطاول دهرًا، مُنتهى أمره إلى أن يزولا. ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي في رؤوسِ الجبال أرعى الوعولا. فاجعل الموتَ نصبَ عينيك واحذر، غولةَ الدهرِ إن للدهر غولًا».

لقد قالها في نهاية عمره، مؤكدًا بأن كل عيش وإن تطاااااااااااااول دهرًا، منتهى أمره إلى أن يزولا! كلُ عيشٍ زائل، ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي، في رؤوسِ الجبالِ أرعى الوعولا (وهذا نصٌ أدبي فاخر، كيف يرعى الوعول؟ هل يراقبها؟). فاجعل الموتَ نصبَ عينيك واحذر، غولةَ الدهرِ إن للدهر غولًا. فكّر: هل تحذر غدرة الموت وغيلته أم نسيتها تمامًا؟

 


ادخل بين الشعراء وستجدهم دومًا بين الضحك والبكاء. فثمة من يبكي على فوات مشيبه، وثمة من يضحك على تضييع طريقه. يمثل الأوائل دعبل الخزاعي إذ يقول: «أين الشبابُ وأية سلكا، لا أين يُطلب؟ ضَلَّ بل هَلَكا. لا تعجبي يا سَلمَ من رجلٍ، (ضحك) المشيبُ برأسه (فبكى). قد كان (يضحكُ) في شبيبتهِ، فأتى المشيبُ فقلّما (ضحكا)».

أما الآواخر فيمثلهم الشاعر المصري أحمد بخيت إذ يقول: «بالأمس ضيعتُ الطريقَ لمنزلي، و(ضحكتُ) من رجلٍ يضيعُ منزلهْ. ثم (انتحبتُ) كأي طفلٍ تائهٍ، في البرد لا حضنٌ هناك يعودُ لهْ». نعم، لولا الضحك والبكاء، لما كان ثمة شعراء، فمن لا يبكي لا تتحرك عاطفته ومن لا يضحك لا تتجرأ قريحته وبين القريحة والعاطفة شعر وشعور.

 


يقول الشاعر التونسي «عبداللطيف الزبيدي»: ما هكذا الرأيُ السديدْ، نمحو ونبدأ من جديدْ. قد مرّ قرنٌ كاملٌ، لم نستمعْ إلا الوعيدْ. فالبعضُ صارَ على الحديدةِ، والبقيةُ في الحديدْ! لقد أشار بالحديدة إلى مأساة الجوع والافتقار ومأساة السجن والاعتقال، والسجن أعظم وأشد، ففي باطنه الفقر والحاجة. يقول فيكتور فرانكل في كتابه «بحث الإنسان عن المعنى، 1946» وبعد تجربته المريرة في المعتقل النازي: يمر السجين بثلاث صدمات: صدمته حين يُساق إلى المعتقل، وصدمته من لامبالاته وموته العاطفي (كيف تموت مشاعره حين يتم تعذيبه)، وصدمته من كون الناس لا تفهم ولا تستوعب مشاهد الرعب التي مر بها أثناء سيره في المعتقلات. ولنتوقف طويلًا عند الصدمة الأخيرة.

 


يقول رائد بن هلال: «والله ما ندري نحب الناس ولا نعيف؟ ما عاد فينا على بعض الأوادم صبر؛ إذا أعطيت الناس وجهك قالوا خفيف، وإذا تقفّيت عنهم قالوا وش هالكبر»، وكذلك ورد البيتان لتركي الميزاني ولا ندري من قائلها، فقد سمعت مؤخرًا من وزارة الثقافة وجوب نسبة القصيدة إلى صاحبها. عموما ما أريد قوله هنا هو التالي:

يقول الشاعر «إذا أعطيت الناس وجهك قالوا خفيف، وإذا تقفيت قالوا عنك وش هالكبر»، وهذا تصور خاطئ حدث عند الشاعر وغيره لأنه يصوّر الإنسان (= فرد) على أنه ناس (= جماعة)، فيراهم ككيان واحد متناقض! أيها الشاعر، هؤلاء ناس، يعني أشخاص متفرقين، فلابد ويتناقضوا! إنهم أناس مختلفين لا إنسان فرد واحد أبو وجهين!

 


يقول أبو العتاهية: «ثمانيةٌ تجري على الناس كلِّهم، ولابد للإنسان يلقى الثمانية؛ سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ، وعسرٌ ويسرٌ ثم سقمٌ وعافية»! أبو العتاهية يلخص الحياة في 4 مواضع: (1) النفس (سرورٌ وحزن) و(2) البدن (سقمٌ وعافية) وهذه داخل الإنسان، ثم (3) الاجتماع (اجتماعٌ وفرقة) و(4) الاقتصاد (يسرٌ وعسر) وهذه خارج الإنسان.

إن اليسر والعسر هنا لا علاقة لهما بالتحديات والنجاحات، بل لهما علاقة بالاقتصاد (راجع كلمة «الموسر» وتعني الغني، وانظر «المعسر» وستجده الفقير المديون)، فالمستوى الاجتماعي والاقتصادي مستويان مهمان ويؤثران في الإنسان على مستوييه: النفسي والبدني. فلا يمرض المرءُ ويحزن إلا بفقدٍ وعُسر، ولا يتعافى المرءُ ويُسرُّ إلا باجتماعٍ ويُسر.


 


افتتح المبرّد كتابه «الكامل» بهذه المقدمة فقال: «هذا كتابٌ ألّفناه يجمع ضروبًا من الآداب، ما بين كلامٍ منثور وشعرٍ مرصوف، ومَثَلٍ سائر وموعظةٍ بالغة، واختيار من خطبةٍ شريفة ورسالة بليغة. والنية فيه أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب من كلام غريب أو معنى مستغلق...حتى يكون هذا الكتاب بنفسه مكتفيًا وعن أن يُرجع إلى أحدٍ في تفسيره مستغنيًا».

أعجبني وصفه للخطبة بـ «الشريفة»، والرسالة بـ «البليغة» (= من البلاغة) والموعظة بـ «البالغة» (= تَبلُغ الناس وتصلهم) والمثل بـ «السائر» (يسير بين الناس). كما أعجبني مقارعته للاكتفاء بالاستغناء، فالاكتفاء أن تكتفي بذاتك، والاستغناء أن تستغني عن غيرك؛ وليس كل مستغنٍ عن غيره مكتفٍ بذاته، ولكن «كل مكتفٍ بذاته مستغنٍ عن غيره».

 


خذها قاعدة: «أكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لا يعلمون، ولو أحسنوا تأليفه لكانوا شعراء»، هكذا يقول أبو العتاهية. بعبارة أخرى، «في كلِ إنسانٍ شاعر»، فمن منّا اهتم بكلامه ليظهر في قالب شعري؟ لقد آمن أبو العتاهية بشاعره فابتكر به بحورًا جديدة، قائلًا: «أنا أكبر من الأوزان»، وزاد في اهتمامه به حتى بلغ به مبلغ الحكيم.

يُذكر بأن الجاحظ سمع منشدًا يُنشد بيت أبي العتاهية «يا للشَّبابِ المَرِحِ التَّصابي، روائحُ الجنَّةِ في الشَّبابِ»، فقال الجاحظ للمنشد: قف، انظروا إلى قوله «روائحُ الجنةِ في الشبابِ» فإن له معنى! أهـ. إن أبا العتاهية ليس «شاعر الزهد» بل «شاعر الحكمة»، فالشاعر يُوصف بأغراضه، فقط إن عجزت كلماته (= محتواه الشعري) أن تصفه بدقة.