‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر وفلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر وفلسفة. إظهار كافة الرسائل

 


خذها قاعدة: لا صلاح لأمر البشر إلا باثنين: (1) «الحرية» (liberty) و(2) «التنوير» (enlightenment). التنوير تدريس نظري، والحرية واجب عملي. إن الحرية تعني أن تمارس الحرية ممارسة، فتكون حرًا حقًا فيما تختار، وتعطي الآخر حقه في الاختيار بلا إجبار. لابد أن تمارس هذا ممارسة كاملة ولو خالفت التقاليد والأعراف!

هل ثمة تقليد وعرف تحب مخالفته ولا تستطيع؟ إذا نعم، فلستَ حرًا، فالحرية ممارسة وفعل قبل أن تكون خطاب وفكر. أما التنوير فهو عملية تعليم، ودورك فيه أن تدرّس وتُخرج الناس به من الظلمات إلى النور، فتنوّرهم عن الحرية وتذكرهم أنها ممارسة فعلية. فحين تمارس الحرية حقًا، وتنوّر الآخرين وتخبرهم بأهمية ممارستها أيضًا، يستقيم أمر البشر!

 


خذها قاعدة: «كل كلمة توجه تفكيرك». فلو قلتَ «سأحل المسألة» فستفكر فيها كعالم رياضيات. ولو قلتَ «سأعالج المسألة»، ستفكر فيها كطبيب. ولو قلتَ «سأتناول المسألة»، ستفكر فيها كطباخ. ولو قلتَ «سأنظر في المسألة أو سأحدّق أو أمعن النظر في المسألة»، ستفكر فيها كطبيب عيون. ولو قلتَ «سأحفر في المسألة»، ستفكر فيه مباشرةً كعالم آثار.

ومع ذا، ستظل كل كلمة تُنتج فكرًا بحسب من يتناولها ويستخدمها. كورقة التوت، في توصيف الشافعي، «طعمها ولونها وريحها واحد؛ ولكن دودةُ القز تأكلها فتُخرج حريرًا، وتأكلها النحلة فتُخرج عسلًا، وتأكلها الشاة فتُنتج لبنًا، والغزال فتخرج مسكًا». وهكذا الكلمات، فقد تعطي فكرًا غائطًا أو فكرًا عاطرًا، وكل ذلك بحسب قائلها.

 


لماذا لا تستطيع التركيز على الحاضر، وتنجرف دائمًا إلى التفكير في الماضي أو المستقبل؟ السبب «الشعور بالهوية». إن «الهوية» (identity) هي ما يجعلك تنجرف إلى الماضي لتسأل نفسك عن هويتك: «من أنا؟ وماذا فعلت في الماضي حتى أصبحتُ أنا؟ من هو هذا الذي اسمه (فلان = اسمك)؟ من هو (= هويتي)؟ وماذا صنع حتى شكل هذه الهوية؟!

وحين تفكر في المستقبل، فإنك تنجرف إلى المستقبل لأنك تتساءل عن هويتك المستقبلية: «ماذا سأكون؟ ماذا سيقولون الناس عني مستقبلًا؟ ماذا سأفعل لأصنع هويتي واسمي (فلان)؟». حين تتخلص من أوهام الهوية، ستركز على اللحظة! حين تلغي التفكير فيمن تكون وما تريد أن تكون ستركز على اللحظة، كالحيوان الذي لا يعاني من هموم الهوية.

 


يتهكم البعض من «نشطاء البيئة» لأنه يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن حقوق الإنسان أولى بالاهتمام من حقوق البيئة والحيوان. هكذا يعتقد، ولن يتوقف عن ذلك حتى يدرك بأن «الحقوق لا تحتمل التأجيل»، هكذا كقاعدة. إن للبيئة حق وللحيوان حق وللإنسان حق وإن «الحقوق لا تحتمل التأجيل ولا تقبل بالترتيب»، بل يجب الإيفاء بها فورًا.

المطالبة بالانشغال بحقوق الإنسان وعدم العناية بحقوق البيئة والحيوان يشبه السيناريو التالي: تأتي امرأة إلى مركز الشرطة لتبلغ عن مجرم قتل طفلها، فيقول لها مركز الشرطة: لدينا جرائم كثيرة الآن، وينبغي الانتظار حتى نحل الجرائم السابقة. إن حق المرأة هنا لا يقبل التأجيل ولا الترتيب بل يجب معالجته فورًافي حال لا يوجد ما يمنع ذلك حقًا.  

 


خذها قاعدة: «حقوق البيئة والحيوان حق أصيل من حقوق الإنسان نفسه». الأجواء ساخنة هذه الأيام بسبب الاحتباس الحراري، والأوبئة تنتشر بسبب قتل الحيوان الذي يقتل الحشرات الضارة، والتصحر وغياب الغطاء النباتي يزداد بسبب قتل الحشرات الناقلة للقاح بين النباتات. كلها مصائب تحدث بسبب سخريتنا بحقوق البيئة والحيوان.

وبما أن تصحر البيئة الأرضية وارتفاع الحرارة الجوية تقتل الإنسان، يمكن القول من هذا المنطلق بأن أهم حق من حقوق الإنسان هو أن نحافظ على ما يبقيه حيًا، ولن نبقيه حيًا حتى نحافظ على مقومات حياته بيئيًا وحيوانيًا. تذكر هذا حين تسخر بحقوق البيئة والحيوان، إنها من «حقوق الإنسان» وليست حقوق عارضة لا تمت له بصلة.

 


خذها قاعدة: «أي عمل يكون موفقًا إذا كان بالإمكان الدفاع عنه بالمنطق»، هكذا يقول الفيلسوف الإغريقي كارنياديس، إذ كان يراهن على عدم وجود معيار مطلق للحقيقة، وبالتالي يعتمد على المنطق في الدفاع. راجع قراراتك الخاطئة السابقة، هل تستطيع تبريرها والدفاع عنها؟ إن استطعت، فتلك القرارات غير خاطئة.

«لقد تجاهلتُ اتصال والدتي»! هل تستطيع أن تبرر لذلك منطقيًا؟ «نعم، إنني أتصل بأمي ولا ترد، ولا تتصل هي بي إلا أثناء العمل». إذن، تجاهلك لاتصال أمك عمل موفق. «لقد انتقدتُ فلانًا فغضب مني». هل تستطيع أن تبرر لذلك منطقيًا؟ «نعم، إن فلانًا أساء عمله ولم ينجز المهمة المناطة به». إذن، لا تقلق، فانتقادك له عمل موفق وسديد.

 


ما هي «نظرية القشرة» (Veneer Theory)؟ نظرية وضعها الفيلسوف الهولندي فرانس دي وال (1948-) تقول بأن الأخلاق ما هي سوى قشور تغطي حقيقة الإنسان غير الأخلاقية؛ فالأخلاق نشأت اجتماعيًا لا بالتطور الجيني الطبيعي. ويؤيده الفيلسوف الامريكي مايكل غيسلين (1939-) فيقول «اكشط إنسانًا إيثاريًا وسترى منافقًا ينزف».

فماذا نتعلم هنا؟ أن كثيرًا من أخلاقنا مزيفة. إنك تدعي الأمانة وعدم السرقة والخيانة، ولكن ماذا ستفعل لو وجدت 100 ريال في الشارع؟ ستقول «100 ريال قليلة ولا تحتاج إعلانًا وسآخذها» (= إنك بهذا سارق). فإن خالفتني وأكدت إعلانك عنها أو تصدقك بها فماذا ستفعل لو وجدت 100 ألف ريال؟ إن تغير قرارك يؤكد قشورية أخلاقك.  


 


هل نحن في حلم أم واقع؟ لماذا لا يكون البشر في حالة حلم دائم، فليس ثمة واقع؟ يمكن الرد على مثل هذا باعتبار الفارق بين الحلم والواقع. ففي الحلم، تسير الأمور بلا منطق، أي أن القوانين الكونية تختفي: تسقط أنت من على جبل فلا تموت (غياب السبب والمسبب) ثم تطير في السماء (غياب الجاذبية) وتظهر فجأة في مكة (عدم التسلسل).

بعبارة أخرى، الانتظام والتسلسل المنطقي هو ما يؤكد عيشنا في «واقع» لا «حلم»، ويبقى السؤال التالي محوريًا: وهل الانتظام والتسلسل هو الأصل والعشوائية هي العارض؟ لماذا لا تكون العشوائية هي الأصل (= فالكون نفسه يتشظى عشوائيًا)، ويكون الانتظام نتيجة تراكمية لما حاول الإنسان أن يفرضه على وعيه وتصوراته منذ ملايين السنين.

 


ما أفضل ما تؤمن به ولو مؤقتًا؟ «الجبرية». أن تؤمن بأن أفكارك أنت مجبورٌ عليها، وأن كل أحداث المستقبل لا يمكنك تغييرها، وكل أحداث الماضي لم يمكنك أصلًا منع حدوثها، فأنت ذرة تتحكم بها قوى فيزيائية جامحة عن السيطرة. أن تكون قليلًا كغلاة الجهمية القائلين بـ«أن حركات البشر كحركات الشجر، حين تهب عليها الريح».

حين تؤمن بأنك مجرد ذرة تافهة تهب عليها الريح لتتحرك دون إرادة، تتخفف من رغبتك في التحكم والسيطرة. والتخفف من رغبة التحكم والسيطرة (بالماضي والحاضر والمستقبل) هو بداية السعادة الحقيقية. إنني على هذه الأرض أؤدي دورًا تمثيليًا ثم تُغلق الستارة بعد ذلك. يا ناس، إنني لا أستطيع أن أخرج عن النص والدور الذي أمرني به المخرج!

 


خذها قاعدة: «المصائب أجزاء من خطط إلهية لترتيب أمورك نحو الأفضل». هكذا يقول الفيلسوف الرواقي أبيكتيتوس. فكل مصيبة تمر بها هي خطة إلهية لتحسين حياتك المستقبلية. وهذا ما نشهده واقعًا؛ فحين تُصاب بمرض فيروسي، فإن هذا الفيروس يقوّي مناعتك لتستمتع بحياتك ثم يغادر الفيروس بعدها، وكأنه جزء من خطة مرتبة.

يؤكد ذلك أن فترة المصائب لا تطول، فهي تقع ثم بعد فترة قصيرة تنتهي وتزول. تقع لتأدية الغرض من وقوعها، ثم تقع مصيبة أخرى لتؤدي الغرض التالي وهكذا في عملية بنّاءة. أما إن كان ثمة مصيبة تدوم لسنوات فهي بمكاسب تدوم لسنوات أيضا. «ليس ثمة أمر يقع إلا ومعه نتيجة، توازيه في القيمة والأهمية، وتدوم معه من حيث الفترة الزمنية».

 


حين تتفلسف باستخدام كلمات عنيدة، وتحاول من خلال ذلك إيصال معاني بعيدة، فيهاجمك مستمعك بأنك «تتفلسف على راسه» (وانتبه هنا لكلمة: على راسه)، فهذا يشير إلى أن مستمعك يسمع كلامك وفي نفس الوقت يقارن نفسه بك فيهاجمك. يستمع ويتفكر ويتساءل لماذا تقول هذا أمامه ويظن بأنك تريد التقليل منه فيبدأ الهجوم!

أما حين يؤكد المستمع إعجابه بمحاولتك، ويقدر رغم الصعوبة فلسفتك، فهذا يعني بأنه يشعر بأنه يفهمك وهو معك، يشاركك يدًا بيد في بناء هذه الفلسفة (التبدو ضالة). «إن شعور الاشتراك هنا يدفع المستمع للصمت والقبول، وشعور المقارنة فيما سبق يدفعه للغضب والهجوم». فكروا فيها: «قد يكون الهجوم تمظهرًا حركيًا لمقارنات ذهنية».

 


مع تكرر أسماء المثقفين في المشهد الثقافي وتكرر أسماء المدعوين للندوات الأدبية، يكون الحل أمام الأدباء الرافضين لهذا الاحتكار أمرين: (1) تجاهل تلك الأسماء الممجوجة وعدم التفاعل معها، و(2) التفاعل مع الأسماء المغمورة وتسليط الضوء عليها. فمشكلة الكروت المحروقة (= الأسماء الكبيرة المتكررة) أنها تشتد ألقًا بشدة نقدها.

والحل في تسليط الضوء على الأسماء الجديدة لتزاحم الأسماء القديمة وتقصيها. فالإشكال كما هو ملحوظ - أن «ناقدي الأسماء القديمة كثيرًا ما ينقدون الأسماء القديمة وقليلًا ما يدعمون الأسماء الجديدة»، وكأنهم يقاربون شعار «لا للإسلام نصروا ولا للكفر كسروا». ما الحل؟ الحل سكوت مُطبِق (عن القديم) واهتمام مُطلَق (بالجديد).

 


قال لي أحدهم تعقيبًا على بحثٍ كتبته بعنوان «لغة النبي في ضوء أنموذج دولوز»: أنت لم تفهم دولوز! قلتُ له: وماذا يقول دولوز؟ فطرح عليّ فكرته ورأيه. قلت له: ما رأيك لو فاجأتك وقلت لك بأنك أنت من لم يفهم دولوز، ما رأيك؟ لقد صدقني ههههه! فاقتنعت بأني أكذب وصديقي يكذب، وكلانا يستمرئ الكذب بلا حياء!

إن الموضوع مفتوح للتأويل. إن دولوز وأضرابه لا يهدفون إلى الوضوح بل إلى المشاغبة واللعب بترك مساحة رمادية مضللة لا يفهمهم فيها أحد. لا يريد دولوز توضيح كلامه، بل يتمنى أن أفهمه بطريقة ويتمنى أن تفهمه أنت بطريقة ليشغلنا هو ويصبح بمثابة فاكهة المجلس! هو يريد أن يكون مِلكًا للكل فلا تحتكره لنفسك «إنه لا يحب المحتكرين».

 


من الأفكار الجميلة التي سمعتها مؤخرًا من المفكر المغربي طه عبدالرحمن مقابلته بين النقل والعقل vs النظر والسمع. يقول العقل نظر (= نظر ورأي) والنقل/الشرع سمع (= دون نظر). فبما أن الشرع يتطلب سماعًا لا نظرًا (أي أنك تصدق الغيب دون رؤية)، فإن النظر يتطلب رؤيةً لا سماعًا (فلا ينبغي لك السمع دون تحقق، بل عليك أن تنظر وترى).

فكروا في هذا: فالعاقل لا يكتفي بالسمع (ووكالة «يقولون») بل عليه أن يُعمل عقله وينظر ويتحقق. والمؤمن لا يكتفي بالنظر (وسؤال «أين الله» وأين أراه؟)، بل عليه أن يُعمل السمع وينصت لكلام الله ويصدق وجوده. وكأنما الفؤاد يجمع بينهما: «إِنَّ السَّمْعَ (= نقل) وَالْبَصَرَ (= عقل) وَالْفُؤَادَ (اجتماع العقل والنقل) كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا».

 


إذا أردنا تصنيف لظاهرة «المثقف» (intellectual)، فيمكننا القول بأن المثقف: (1) مثقف معرفي و(2) مثقف لغوي. وعلى هذا التصنيف، نجزم بشيء من اليقين بأن جميع المثقفين العرب القدماء منهم والمعاصرين - هم مثقفو لغة بالدرجة الأولى، أي أنهم امتازوا على العامة من حيث إجادتهم لتوظيف «الألفاظ الرنانة» لا أكثر.

بعبارة أخرى، «الثقافة العربية هي ثقافة لغة بقليل من المعرفة، بينما الثقافة الغربية هي ثقافة معرفة بقليل من اللغة». وهذا دارج منذ نشأة الصحافة العربية وحتى اليوم. ففي الصحافة والتي تُعدُّ وعاء المثقفين، يقوم مدير التحرير - قبل أن يستكتبك في صحيفته - بسؤالك «تعرف تكتب؟» (=لغة) قبل أن يسألك «تعرف تفكر؟» (=معرفة).

 


من أخطاء ذوي القيم أنْ جعلوا السرعة فضيلة تُمدح، فقالوا من أقوال المديح: «هذا سريع بديهة!» و«هذا ينجز بسرعة!» بينما ربطوا البطء بالغباء والبلادة، فقالوا «هذا بطيء الفهم!». خذها قاعدة: «البطء ليس بأقل قيمة من السرعة». فللبطء قيمته أيضا، فالبطء في الإنجاز يعني «العمق» أما السرعة فيه فتعني «السطحية»!

ثم خذها نصيحة: «إذا كان البطء منبوذًا في العصر القديم، فإن السرعةَ أحقُّ بالنبذ في هذا العصر». فإذا كان البطء قَتَلَ الأجداد فدفعهم لطلب السرعة فابتكروا الطائرات والجوالات، فإن السرعة قتلتنا اليوم ونحن بحاجة لابتكار مبطئات للحياة. تمرين: توقف بسيارتك على قارعة الطريق وتأمل عجلة الناس، فهذا سيعلمك قيمة التباطؤ.

 


أجلس الآن في مكتبة جرير أمام ثلاثة كتب وهي: «تشخيص الكارما» لسيرغي لازازيف، و«تشريح القلق» لإلن فورا، و«تعرية الحب» لإرفين يالوم. حين تنظر في هذه العناوين ستجد كلمات غريبة كـ «تشخيص» و«تشريح» و«تعرية»، وجميعها يشير إلى أن الاتجاه القادم هو اتجاه تفكيكي تحليلي، وحفر في طبقات وترسبات بعض المفاهيم الشائعة.

فإذا كان القرن الماضي هو قرن «التوصيف والشرح» (Description & Explanation)، فإن القرن الحالي هو قرن «التحقيق والتشريح» (Interrogation & Anatomy). هل قلت تحقيق وتشريح؟ هل هو تشريح الجثث والتحقيق البوليسي؟ يبدو بأن مفاهيم العصر استحالت لعناصر إجرامية تستحق «القبض» (Capture).

 


النبي ثابت بأنه مستعرب في النصوص الإسلامية، والدليل أن نسبه يتصل بإسماعيل وإسماعيل تعلم العربية، وهو ابن لإبراهيم (وإبراهيم ليس عربيا ولكنه بحسب النصوص هاجر لمكة). فاذا زعم أحد المؤرخين اليوم بأن النبي ليس مستعربا، فإنه ينكر اتصال نسبه بالأنبياء، بينما يعتز النبي يعتز بهذا النسب لدرجة ان سمى ابنه «إبراهيم».

في الواقع، أن كون النبي مستعربًا وأن استعرابيته تثبت نبوته وأنه من بيت نبوة من الأصل يفتح علبة من الإشكالات لمن يتأمل. أولا على المستوى اللغوي، وثانيا على المستوى النسبي العرقي، وعلى مستويات عدة أخرى. فالأفضل القبول بثنائية العاربة والمستعربة، والأفضل إخراج اللغة من حيز الدين، وعدم تديينها بحسب هذا البند.

 


يقول أبيقور: «إننا لا نقلق بسبب عدم أبدية وجودنا قبل الحياة، فلماذا نقلق بشأن أبدية عدم وجودنا بعد الوفاة»؟ بعبارة أخرى، من لم يُولد ويجرب الحياة، فلن يبحث عنها أو يحفل بها؛ أما من يُولد ويدخل حيّز الحياة، فمن الصعب أن يرضى بالخروج منها. وهذه مفارقة تستحق حلًا فلسفيًا مبالغا فيه.

فما الحل؟ أن نبالغ في الزعم فنقول: إذا كان الموت حتميا في التركيب الإنساني فلا يمنع أن يكون الميلاد حتميا أيضًا في ذات التركيب! فمن يموت حتمًا سيولد حتمًا، أي بقدر إمكانية موتك تكون إمكانية ميلادك، وهذا يكفي لأن تقلق ويكفي لنفي غياب القلق الذي يدعيه أبيقور بشأن أبدية ما قبل الميلاد.

 


ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» حديثًا حكيمًا عن ابن المبارك، يقول فيه: إن البُصراء (أي الحكماء المبصرين) لا يأمنون من أربع: (1) من ذنبٍ قد مضى، لا يدري ما يصنعُ الله فيه، ومن (2) عمرٍ قد بقي، لا يدري ما فيه من الهلكة، ومن (3) فضلٍ قد أُعطي، لعله مكرٌ واستدراج، ومن (3) وضلالة زُيّنت يراها الرجلُ هدى!

وهذا من حكم السلف، فكم من ذنبٍ نسيته فعاد إليك بعواقب مفاجئة لم تستعد لها (وهذه دورة الكارما Karma)، وكم من عمرٍ يؤخذ منك وقد ظننت بأنك ستُعمّر طويلا (فلم تحسب حساباتك جيدا)، وكم من مكسب تظنه خير لك وهو استدراج للإيقاع بك، وكم من ضلالة تراها هدى فتسير على خطاها وتقرر بناءً عليها فتهلك!