‏إظهار الرسائل ذات التسميات لغة ولهجات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لغة ولهجات. إظهار كافة الرسائل

 


هل نتحدث عن زحف المفردات؟ إذن، لنبتدئ بكلمة «بكرة»، فقد صارت بمعنى «اليوم التالي» بعد أن كانت بمعنى «الصباح الباكر». فالله يقول «وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» أي صباحًا وعصرًا، وكان الإمام مالك يقول: «كنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل»، أي أنه يأتيه من الصباح فلا يخرج إلا في المساء. فكيف تغيرت؟

كان الرجل يأتيه الرجل في العصرية مثلًا، فيقول له «متى نلتقي؟»، فيرد نلتقي «بكرة» أي صباحًا؛ فلا يفهمها الرجلُ بأنها صباح نفس اليوم، فالصباح قد مرّ، وهو في العصر، بل أنها صباح اليوم التالي، ومع الوقت زحفت «بكرة» فصارت لليوم التالي بشكلٍ عام، بالضبط كما زحفت كلمة «غدًا» في «بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ»، وقد كان «الغدو» بمعنى «الصباح».

 


رغم إيمانك أن «القناعة كنزٌ لا يفنى»، تظل تسعى وتجتهد ولا تشعر بقناعة رغم ترديدك لهذا الشعار. هل تريد معرفة السبب؟ السبب يعود لكونك لا تُدرك أن كلمة «قناعة» تعني «أن تقتنع تمام الاقتناع بأن لديك ما يكفي وزيادة، أن تقتنع بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنك لا تحتاج أكثر، أن تقتنع قناعة راسخة وصلبة ومتجذرة باكتفائك».

فمن يجتهد أكثر ويسعى أكثر لم يقتنع بعد بأن لديه ما يكفي. إنه لم يقتنع بذلك، والقناعة تتطلب أن يقتنع أولًا ليستطعم حقيقتها! إنك لن تتوقف عن السعي إلا عن قناعة، وضع تحت «إلا عن قناعة» مائة خط، (أي عن قناعة ذهنية واقتناع تام). فمن شروط العمل بـ «القناعة» أن تقتنع أولًا، ولم تقتنع بعد أن لديك مايكفي. للأسف لم تقتنع بعد بذلك!

 


دعوني أصارحكم فأقول بأني لا أحب عبارة «كن معول بناء لا معول هدم». لا أحبها لأن كلمة المعول نفسها تُربكني فهي تشعرني بالقدّوم الكبير الذي يكسر الطوب والأحجار فكيف بالله يكون هذا معول بناء؟ إن القدوم مصنوع للهدم، لا البناء. فالعبارة مُربكة من أساسها، فالمعول يحمل «صفة هدم باطنية» لا يمكن نقضها بصفة عكسية.

حين فكرت في هذا، تذكرتُ أيضا الأثر الوارد أن النبي  ﷺ «كان يعجبه الفأل الحسن». فالفأل ارتبط في ذهني بالتفاؤل، بينما «الفأل الحسن» يقتضي وجود «الفأل السيء»! هذا يؤكد أن اللغة العربية الفصحى تحمل عبارة «فأل» بمعنى «تنبؤ وتوقع ورؤية مستقبلية»، فتضيف إليها الحسن أو السيء، لتحديد ما إذا كانت الرؤية تفاؤلية أم تشاؤمية.

 


تخيل معي زمن الجاهلية. رجالٌ يجلسون في ضياء البدر، يتحدثون عن الفضاء ويتأملون نجومه وكواكبه. الكل يفكر في الوصول إلى الكواكب، هل من سلّم أو صاروخ؟ الصاروخ فكرة لم تكن حتى في البال! من هنا بدأت فكرة الاستعانة بالجن للوصول، والغريب هنا وركز معي جيدًا، من هنا بدأت «لغة السحر» و«لغة الكهانة والعرافة».

لقد لاحظ الجاهليون بأنهم لا يمكنهم أن يصلوا إلا بالجن وباستحضارهم عبر لغة وطلاسم. لقد كانوا يحاولون التواصل مع المخلوقات الأخرى بالتمتمة بكلمات مشفرة أو بلغة ذات أكواد ورموز تختلف عن أكواد ورموز لغة البشر. تأمل معي كيف بلغت اللغة من التفرد لأن تستحيل أداة تُجرّب وتستخدم لخرق الأرض وخزق السماء؟!

 


يقال بأن «السرسري» هو عامل كان يُعيَّن لمراقبة أسعار السوق، فكان التجار يشترونه بالمال رشوةً، فاضطرت الدولة القديمة إلى تعيين «السربوت» وهو مراقب ثانوي يتجسس على السرسري، فقام التجار بشراء السربوت أيضًا. وبما أننا في كلمتي السرسري والسربوت، فلنعلم بأن كلمتي التسري والاستسرار تعنيان الزنا السري، فماذا نتعلم هنا؟!

نتعلم أن جذر «سر» جذر رذيل، ففيه «السرسري والسربوت والتسري والاستسرار والسر والأسر والسرقة والسرداب وما كان تحت (السرة)». فكل كلمة تحمل حرفيّ «سر» تشي بالتخفي والخباثة والسرية، فالسرسرية والسرابيت يأخذون المال سرًا، والمُتَسَرُّون المُسْتَسْرِرُون يزنون سرًا، فهل كل من نبذ الشفافية وتبنى السرية من طينة السرابيت؟

 


سأُسمعك كلامًا غريبًا فهل ستقتنع به؟ «إن الحقيقة ليست في الكلمات ولكن في وقفات الصمت بينها». حين أقول «أنت لا تفهم كلامي»، فالحقيقة ليست في كلمات (لا، كلامي، تفهم، أنت)، ولكن فيما بينهما؛ أي في وقفة الصمت بعد «أنت» ووقفة الصمت بعد «لا»، ووقفة الصمت بعد «تفهم»، ووقفة الصمت بعد «كلامي».

إن «وقفات الصمت» هذه - حتى وإن بدت لك سريعة - هي ما يصنع الحقيقة. هي من يعطيك المساحة لأن تبلغ المعنى الحق للكلام. فلو قلتُ مثلًا بسرعة رهيبة «أنتلاتفهمكلامي»، ستفهم فقط كلمة «كلامي» لأن ثمة «وقفة صمت» جاءت بعدها أعطتها مساحة حقيقة. احفظ هذا: الحقيقة تختفي وراء الصمت أكثر مما تختفي وراء الكلام.

 


لو سألتك الآن عن مرادف «يعطي»، ربما تقول «يمنح»، هكذا ستكون إجابتك ببساطة، ولكنك لا تنتبه إلى أن «يمنح» تعني «يمنح منحةً» وأن «يعطي» تعني «يعطي عطاءً»، أي أن كلمة «منحة» و«عطاء» غابت عن ذهنك أثناء استذكار معاني هذه الكلمات. تذكر التالي: الكلمات ليست معاني أحادية (1=1)، بل شبكات من المعاني المترابطة.  

حين تقول «لنستبصر الأمر، فالشرطة استدعتني»، لا تنتبه أن كلمة «يستبصر» تعني «ينظر بعين البصيرة لا البصر، والبصيرة هي الحدس الداخلي» (انظر عدد الكلمات الشارحة لكلمة واحدة)، وأن «استدعتني» تعني «قدمت لي دعوة للحضور» (تأمل عدد كلمات الشرح). تذكر هذا حين تتكلم. ففي اللغة، 1 لا يساوي 1، بل قد يساوي 3 أو 4.

 


ما خير ما تصنعه؟ «أن تهذّب لغتك». فبدلًا من أن تقول «هو عاطل عن العمل»، قل «هو باحث عن عمل»، وبدلًا من أن تقول «فصلته الشركة»، قل «سرّحته الشركة سراحًا جميلًا». كما لا تصف إخفاقك بـ «الفشل»، أوصفه بـ «الفرصة الضائعة» كفرص رونالدو الضائعة وما أكثرها؛ واستبدل «أنت كاذب» بـ «أنت متحفظ في كشف الحقائق».

وبدلًا من قول «هناك خلاف بيننا»، جرب أن تضيف فقط كلمة «رأي» في الجملة، وقل «هناك خلاف رأي بيننا». وبدلًا من وصف انسان بـ «السارق»، أوصفه بـ «المستعير بلا إذن». فمن يسرق هو غالبًا استعار حقًا وشيئًا بلا أذن من صاحبه. ومن يدري، فقد يُعيده بعد أن استعاره. ربما يندم ويعيده يومًا من الأيام في يوم القيامة ربما!

 


في الحديث أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم في حلقة يتذاكرون الله، فسألهم: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا ندعو الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنّ  علينا بك. قال: آلله ما أجلسكم إلا هذا؟ (يعني: والله ما أجلسكم إلا هذا؟)، قالوا: آلله ما أجلسنا إلا هذا. قال: أَمَا إني لم  أستحلفكم تهمةً لكم، وإنما أتاني جبريل فأخبرني بأن الله يباهي بكم الملائكة.

إن الرواي يطرح الحديث على أن النبي يقول «آلله» بمعنى «والله»، وهذا خطأ، فاللهجة تكشف اللغة. إننا نقول في لهجتنا «الله» بوظيفة تعجبية، فنقول: «الله! من جدك الحين؟». فالنبي يقول: «الله! من جدكم؟ ما أجسلكم إلا هذا!». أما قول «استحلفتكم» فإضافة أظنها من الراوي. فواللهِ بأن «آلله» السابقة ليست «والله» الحالفة، إنما التعجبية.

 


خذها قاعدة: «معرفة الكلمات والمرادفات تنتهي إلى ضبط المشاعر والقرارات». إنك بحاجة لمعرفة مرادفات مشاعرك لتكتشف ما تعاني منه تحديدًا. هل تشعر بخوف؟ اكتب في محرك قوقل «مرادفات كلمة خوف» وستجد «إِتِّقاء، إِحْتِراس، إِرْتِعَاب، إِرْتِيَاع، تَوَجُّس، جَبانة إلخ». من يعلم؟ ربما بعد هذا البحث، تكتشف بأنك تعاني من توجس فقط.

بعبارة أخرى، إنك لست خائفًا، بل متوجس فقط، فاعمل على سوء ظنك. هل تشعر بالوحدة؟ اكتب في قوقل «مرادفات كلمة وحيد»، وستجد «أوحد، أُحَادي، مُسْتَقّل، مُنزوٍ إلخ»، وربما تكتشف بأنك منزوٍ لا أكثر، واختيارك للانزواء هو ما جعلك وحيدًا، فلتخرج! تشعر بقلق؟ اكتب «مرادفات كلمة قلق» واختر اللفظ الأنسب لحالتك وقرر.

 


هل لديك مشكلة في نطق أحرف (p, r, v) في الإنجليزية وتريد تحسين نطقك لها؟ عليك بـ«التدرب المكثف». ورغم أنها نصيحة شهيرة إلا أنك لا تنتبه إليها، وتظن بأن الأمور ستتحسن من تلقائها. إنك تحتاج مقالة طويلة من ChatGPT تحتوي أحرف (p) تقوم بالتدرب على قراءتها يوميًا وبشكل مكثف إلى أن تجيد نطق ذلك الحرف!

مع ذلك، التدرب بقراءة مقالة تحوي حروف (p) لا يعني أن تنطق (p) بشكلٍ صحيح أثناء الكلام، وذلك لأنك أثناء الكلام تسترجع من «الذاكرة» (التي بذهنك) لا من «الصفحة» (التي تراها بعينك). الحل: قائمة بكلمات تحمل حروف (p) بالعربية والإنجليزية، تنظر فيها فقط إلى الكلمات العربية وتترجمها؛ فمع الترجمة تنطق من الذاكرة.

 


لماذا أنّثت العرب «الشمس» وذكّرت «القمر»؟ رغم أن تذكير وتأنيث الجمادات يبدو عشوائيًا، إلا أن اللغة وبحكم أنها محكومة بقواعد   قد تحمل ضوابطها وأسبابها في ذلك التذكير والتأنيث؛ ولكن ولبُعد التاريخ، تعذر علينا الوصول إلى تلك الضوابط والأسباب. مع ذلك، فقد تكون بدايات تذكير وتأنيث الجمادات مع بدايات ظهور الشعر.

فبما أن الشاعر لاحظ وجود المذكر والمؤنث في حياته (رجل vs امرأة، أسد vs لبوة) ، مدّ ثنائية الذكر والأنثى للجمادات حين جعلها كائنات تتكلم. فمع قول الشاعر «تكلمت الشمس» وعدم قوله «تكلم الشمس»، أسهم الفعل «تكلمت» (= بتاء التأنيث) في إضفاء صفة التأنيث للشمس، فتواطأ الناس على تأنيث «الشمس» تبعًا للشعراء.

 


ما المصطلح المجالي الذي لم أقتنع به؟ «اللغويات التطبيقية» (Applied Linguistics) وهو المجال الذي يُعالج طريقة تدريس اللغة أو يُعالج اللغة في المجتمع أو اللغة سياسيًا إلخ، ويدّعي هذا المجال بأنه الوجه التطبيقي لعلم «اللغويات» (Linguistics) الخالص، والذي يدرس النحو والصرف والأصوات والصوتيات والدلالة.

إن اسم «اللغويات التطبيقية» مضلل لكونه لا يُطبق النظريات النحوية التشومسكية، فاللغويات التشومسكية تبحث اللغة كأداة ذهنية إدراكية، وكل الرموز الرياضية في تلك النظرية لا تُدرّس كما هي في الفصول الدراسية، فلا ينبغي أن يكون علم اللغويات التطبيقي مطبقًا فعليًا لنظريات علم اللغويات النظري، فما سر هذا الالتباس؟ يُتبع.

 


سر الالتباس هو «موضوع البحث والدراسة». فبما أن «اللغويات» تدرس «اللغة» كأداة ذهنية، وبما أن «اللغويات التطبيقية» تدرس «اللغة» أيضًا ولكن كمعلومات تُدرّس للآخرين، سمّاهما العلماء سويًا «لغويات» بناءً على موضوع البحث والدراسة وهو «اللغة». وموضوع البحث والدراسة ليس المعيار، فثمة من يدرس «الأرض» ككوكب (= فيزياء) ومن يدرسها كخريطة (= جغرافيا)، ومن يدرسها كأحداث (= تاريخ). فلا يُقال بأن علم الفيزياء والجغرافيا والتاريخ متشابهة، لأنها جميعا تدرس «الأرض»! وعلى هذا، فدراسة اللغويات التطبيقية للغة ودراسة اللغويات النظرية للغة، لا يجعلهما متشابهان بأي وجه. بعبارة أخرى، «موضوع البحث والدراسة ليس المعيار في ترابط العلوم».

 


لا أزال أتذكر المرة الأولى التي قال لنا فيها المدرس بأن البيت الشعري «مودته تدوم لكل هول، وهل كل مودته تدوم» بيتٌ يُقرأ من اليمين إلى اليسار والعكس. لا أزال أتذكر بأني مسكت البيت وقرأته من اليسار إلى اليمين ووجدته كما قال، ثم ابتسمت مدهوشًا منبهرًا، ولو قرأته أنتَ الآن من اليسار إلى اليمين ستندهش وتبتسم بنفس ابتسامتي الأولى!

إنها دهشة الاكتشاف! إن ما سبق يُسمى «الجناس العكسي»، ومنه: سِرْ فلا كبا بك الفرس، حوت فمه مفتوح، دام علا العماد، كمالك تحت كلامك، بلح تعلق تحت قلعة حلب، أرض خضراء، زوج عجوز، حصان ناصح، وقول الله «كلٌّ فِي فَلَكٍ» و«رَبُّكَ فَكَبِّرْ». «إن الابتسامة تبدأ مع تشكيكك، وتنفرج مع تفكيكك، وتتسع أخيرًا مع تشبيكك».

 


ثمة كلمات لستُ مرتاحًا إليها، ومنها كلمة «كهل» والتي يزعمون بأنها تصف من كان عمره بين الثلاثين والخمسين، فهذه كلمة في نفسي شيءٌ كبير منها، فنحنُ نسمي العجوز «كهلة»، وعلى ذلك فإن وصفهم لشخص ثلاثيني بالكهل يشعرني بالاغتراب اللغوي، وما فعلوا ذلك إلا لأن الله يقول عن عيسى «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا».

فماذا قالوا؟ قالوا: بما أن عيسى رُفِعَ في الثلاثين، فالكهل وصفٌ لمن كان بعمر 30، وهذا تأويلٌ تعسفي فربما التعبير القرآني هنا مجازي، فالمراد: «فيكلّم الناس في صغره وكبره». فالكهل أجدر بأن يكون درجة أكبر من الشيخ. «الكهل» أنسب لمن بلغ التسعين حيث أثقلت الهموم «كاهله»، فاحدودب ظهره ورق عظمه إلخ من حالات.

 


أجزم بأن يوم 18 ديسمبر (= يوم اللغة العربية) هو يوم الترويج الأكبر، يوم البيّاعين الرابح، حيث يبيع البعض فيه مخدرات لتأكيد أفضلية العربية على باقي اللغات. ففيه يبيع أحدهم الكبتاجون لتأكيد سرعة تكاثر جذور اللغة العربية الملياري، وفيه سيعترضك بيّاع الحشيش ليروج عليك النكت والصواريخ اللغوية، فتضحك عليها هستيريًا كما يضحك المحششون بالضبط! فجأة سيظهر لك من الأزقة المظلمة بيّاع خطير وهو بيّاع الشبو، لعنه الله، فيعطيك مادة تفقدك عقلك فتشعر بأنك تتحدث لغة أهل الجنة، من شدة الترفيع! إن علينا اليوم أن نلعب دور مكافحة المخدرات، فنطلق حملة ضد المروّجين، ونخبر المتعاطين بأن ثمة مراكز علمية قادرة على أن تعالجهم من هذا الإدمان اللعين.

 


بينما أدرس كلمات من لهجتي للقيام بمهمة ما، وجدتُ بأننا نسمي الأرض بـ«الحَدَبَة»، فيقولون مثلًا «خذ ترابن من امحدبة»، أي «خذ ترابًا من الأرض». إن كلمة «الحدبة» كلمة تؤكد كروية الأرض فهم يتحدثون عن شيء محدب محدودب. فاللغة هنا تكشف لنا ما خفي من العلم القديم! كما وجدت أيضا بأننا نسمي «قوس قزح» بـ «قعس لقمان» في إشارة إلى لقمان الحكيم في اليمن، وكذلك وجدتنا نملأ الدلاء بالماء وقت خسوف القمر، ونزعم بأن «أبو جعران» يجمع القاذروات لخطبة بنت الشمس، تأمل وجود القمر والشمس، فهذا يذكرنا بعبدة الشمس من قوم بلقيس باليمن (= وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ). إن اللغة تكشف لنا أيضا ماخفي من الدين القديم.

 


ما الذي يبالغ فيه المترجمون؟ قولهم بأن «العمل المترجم عمل أصلي». إنهم يؤكدون دومًا على أن الترجمة لا يمكنها أن تنقل العمل الأصلي، وبالتالي فهي في ذاتها عمل أصلي! نعم، الترجمة لا يمكنها أن تنقل كلمات ومفردات العمل، هذا نتفق عليه، ولكن يمكنها أن تنقل فكر العمل، ومن ينقل فكر شخص آخر لا يمكن أن يُعدُّ عمله عملًا أصليًا.

ومكمن الخلاف هنا في كلمة «الأصلي» نفسها. فـ «الأصلي» (original) صفة للفكر و«الإبداعي» (creative) صفة للكتابة. وعلى ذلك، يمكن الاتفاق على وصف الترجمة كعمل إبداعي لا عمل أصلي. إبداعي من حيث أنها تنظم الكلمات، وغير أصلية من حيث أنها لا تبتكر فكرًا جديدًا. ثمة فرق بين «الأصالة» و«الإبداع» أيها المترجمون!

 


توفي مؤخرًا (2024) وليام لابوف مؤسس «علم اللغويات الاجتماعية» (Sociolinguistics) في «دوره الرابع» كما في دراسته الشهيرة، وتوفي قبله موريس هالي مؤسس «علم الصرف» (Morphology) وسبقهم جوزيف غرينبيرغ مؤسس «علم التصنيف اللغوي» (Typology) والذي جاب الأقطار لصنع خريطة للغات العالم!

وسبقهم الروسي رومان جاكبسون مؤسس «علم الأصوات» (Phonology) راسمًا للأصوات «صفات دقيقة» (Distinctive Features)، واليوم نعوم تشومسكي مؤسس «علم النحو» (Syntax) أشبه بالمحتضر وقد قضى حياته لبناء «نحو عالمي» (UG). نعم، ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهم، وبقيتَ في خلفٍ كجلدِ الأجربِ.