‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون أكاديمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون أكاديمية. إظهار كافة الرسائل

 


حين أقرأ سير السلف، أدرك بأن طريقتهم في تخريج الطلاب خيرٌ من طريقتنا! يقول أبو حنيفة: كنتُ في معدن العلم والفقه، فجالستُ أهله، و«لزمت» فقيهًا من فقهائهم، يقصد شيخه حمّاد. كذلك انقطع مالك و«لازم» شيخه ابن هرمز، والشافعي انقطع و«لازم» شيخه مالك، وأحمد انقطع ولازم الشافعي حتى غادر العراق إلى مصر.

هذا يعني بأن الأئمة كانوا يلازمون أشيخاهم، فيتخرجون من فردٍ واحد فقط لا من عدة أفراد. فيا حبّذا لو تقلل الجامعات أعداد طلابها، بحيث يلازم طالبٌ واحد دكتورًا واحدًا من المستوى الأول إلى الأخير حتى يتخرج. إن «الملازمة» خير من «المزاملة». نعم، ملازمة دكتور واحد خير من مزاملة دفعة من الطلاب يتشتتون بين عدة دكاترة.

 


ما الذي تحتاج إليه حين تجري بحثًا أكاديميًا؟ أن تطبع صور المؤلفين الذين كتبوا في الموضوع الخاص ببحثك. إنها مهارة صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا، إذ تلهمك وتشجعك على إكمال دراستك. هل تريد كتابة بحث ما؟ اجمع الدراسات التي كُتبت عن موضوعك وتتبع مؤلفيها، وابحث عن صورهم في قوقل ثم قم بطباعتها وتعليقها.

ما جدوى ذلك؟ الإلهام. حين ترى صور الباحثين من حولك، تزداد شعورًا بقيمتك. إن الأمر يشبه قاعدة «رافق الناجحين تنجح، ورافق الأثرياء تزدد ثراءً». وبالصور المحيطة بك، سترافق الباحثين وتستشعر كونك باحثًا أصيلًا ضمن طاقم الباحثين. جربها وسترى أن رؤية صورة الباحث الحية تؤثر فيك أكثر بكثير من رؤية نصوصه الميتة.

 


خذها نصيحة: «لا تسأل هل الطالب غائب؟، ولكن اسأل لماذا الطالب غائب؟». حين تذهب لتحضير طلابك، فلا تسأل «هل فلان موجود أم لا؟»، فهذا هو السؤال البدهي. اسأل السؤال الأعمق، «ولماذا فلان غائب عن المحاضرة؟» فربما بهذا تعرف النظام الثاوي وراء هذا الغياب، فثمة نظام لابد وأنه أسهم في عملية الغياب دون شعور.

ففلان الذي تراه غائبًا الآن حاضر في مكان آخر، فأعد السؤال بدقة: «لماذا حضر للمكان الآخر ولم يحضر إليّ؟»، فربما تكتشف أشياء جديدة عن بيئة العمل، وعن العاملين والإداريين، وعن النفسية المتفشية والمناخ المتسيد. ربما حينها ستعرف هل المكان الذي يغيب عنه فلان هو مكان مناسب، مشجع، حيوي، ديناميكي، ممتع أم مكان طارد؟!

 


ما الذي ينسى العلماء والمختصون في الجامعات السعودية العمل عليه؟ «المشروع الممتد» (extended project). إن كل باحث تتجاذبه المشاريع الصغيرة، وينسى فكرة المشروع الأكبر الأوحد. نعم، إن كل باحث يملك 80 سنة من حياته، هي كافية لبناء مشروع متكامل يُشار إليه بالبنان فيه، ويصبح به عُمدةً يُرجع إليه.

مع ذلك، فبناء مشروع ممتد يتطلب وعيًا مبكرًا بالإشكالية والفراغ التي تتطلب سدًا، وهو وعي لا يتشكل إلا في أعقاب الخمسين، في زمنٍ لا يجد الإنسان فيه «ساعة وطاقة» لبناء مشروعه؛ فالوقت قد ضاع على مشاريع صغيرة كانت بمثابة خطوات تائهة في شاطئ مُصطبغ بالخطوات، لا على مشروع أوحد بمثابة معلمٍ بارز في شاطئ تقل فيه المعالم.

 


خذها قاعدة: «العالم اليوم أحوج إلى التخصص الأدق أكثر من حاجته إلى التخصص الدقيق». لقد شددت الجامعات فيما مضى على فكرة التخصص الدقيق، ولكن التخصص الدقيق صار تخصصًا كبيرًا اليوم، فمن يختص مثلًا في اللسانيات النظرية تجده يكتب في النحو والصرف والصوتيات وهذه مواضيع كبرى! الحاجة اليوم للتخصص الأدق.

أن يتخصص في موضوع «الفاعل» فقط مثلًا فيقرأ فيه كل ما كُتب من أقوال ودراسات، ويكتب عنه لا يكتب عن غيره، ثم تطالبه الجامعة التي توظفه أن يرفق تقريرًا عما قرأه في الفاعل لهذا الشهر، وأن يُلقي محاضرة عما استجد في شؤون الفاعل، ثم يُختبر في الفاعل فقط. لكنه لا يعرف في اللسانيات النظرية شيئًا سوى الفاعل، فهذه وظيفته الوحيدة.

 


من المدرس الذي أتذكره إلى اليوم ومن المدرس الذي نسيته تمامًا؟ المدرس الذي نسيته تمامًا هو المدرس الكسول الذي يأتي يجر رجليه أو لنقل يجر أذيال الهزيمة إلى الفصل ويقتعد كرسيًا ليبدأ في إفراغ اكتئابه على رؤوسنا. أما المدرس الذي أتذكره فهو المدرس الحماسي الذي يتحرك بين الكراسي وهو في غاية النشاط ويقول التالي:

هيا يا شباب، نبغى نشاط وحماس اليوم، الدرس اليوم إن شاء الله ممتع وبسيط، ها يا فلان هل أنت متوقد نشاطًا للدرس؟ وأنت يا فلان كيف الحماس عندك؟ واضح حماسك ما شاء الله عليك! يلا نبغى نصحصح وننشط ونتحمس، الدرس بسيط وممتع ولذيذ وسيعجبكم، يلا نبغى حماس، يلا يا فلان، الدرس سيعجبك أنت، كيف النشاط اليوم؟!

 


خذها قاعدة: «ثمة فرق بين التقليد والمحاكاة». فالتقليد هو أن تنسخ الشيء كما هو وبأخطائه (فهو نقلٌ لصورة السطح دون معرفة بالعمق)، بينما المحاكاة تعني استيعاب المبدأ ثم إعادة توليد الأمر بصيغة جديدة (فهو فهمٌ للعمق ثم الانطلاق والإبداع منه). وهذا فارق جوهري أكرره دائمًا حين أتحدث عن أهمية المحاكاة في البحث العلمي.

فالباحث لن يكون باحثًا كبيرًا حتى يُحاكي باحثًا كبيرًا؛ كما يقول أهل مصر «اللي ما لهوش كبير، يشتري لوه كبير». فإذا أردت أن تكون باحثًا كبيرًا، حاكِ كبيرًا؛ وإن أردت أن تكون باحثًا صغيرًا، حاكِ صغيرًا. إن المحاكاة تساعدك في بناء الهيكل والتنظيم، والترتيب والتقسيم، والتفكير والتعبير، والتقعيد والتأصيل. إنها تساعدك في كل شيء.

 


ما الفرق بين الكتابة الحرة والكتابة الأكاديمية؟ الكتابة الحرة تشرح الموضوع بطريقة تعليمية وبحرية دون قيود، والكتابة الأكاديمية تعقد الموضوع بلغة تخصصية بلا حدود. الكتابة الحرة تقلل المراجع وتضيفها فقط كتطمين إضافي للقارئين، والكتابة الأكاديمية تبالغ في تكديس المراجع فقط كدرع واقي ضد حنق المحكمين.

الكتابة الحرة يكتب بها الكاتب ليخبرك أنه فهم (= فاسألني)، والكتابة الأكاديمية يكتب بها الكاتب ليخبرك أنه قرأ (= فاسمعني). إنني أحب الكتابة الأكاديمية؛ ولكني أظن بأن حبي سيزداد لها حين تسير بروح حرة: (1) تشرح كمدرس لا تستعرض كباحث، (2) تحاول إفهامي لا تستعرض بعرض قِرائي، (3) تضع مراجع لتطميني لا لتشتيتي.

 


ما خير طريقة لمعاملة طلابك؟ أن تعاملهم بحسب المقولة المنسوبة إلى روزفلت: «لا أحد يعتني بمقدار معرفتك، حتى يعرف مقدار عنايتك». ففي الواقع ومع صعود نجم الذكاء الاصطناعي، لا أحد يهتم «بمقدار ما تعرف علميًا» (how much you know) حتى يعرفوا «مقدار ما تهتم بهم عاطفيًا» (how much you care).

فإذا شعرت بأن الناس تهتم بك لمعرفتك، فتذكر بأن الناس تعي بأن أدوات الذكاء تتجاوز معرفتك (بشرط الصبر والتأني في التعلم منها). الناس اليوم تريد عنايتك بها ورعايتك لهمومها، فهذا ما لا تستطيعه الآلة التي لا تملك المشاعر. المعرفة ذهبت مع الذكاء الاصطناعي، ولم يبقَ لك أيها الإنسان سوى المشاعر؛ فهل ستذهب منك المشاعر أيضًا؟!

 


نصحني أحدهم بأن أهتم بزيادة أبحاثي كما أهتم بزيادة تدويناتي. يا أخي، دعني أخبرك عن شيءٍ هام! إنني أعمل الآن على بحث جديد، وثمة ورقة بحثية قُبلت وستظهر قريبًا، ولدي بحث انتهى تحكيمه وأستعد الآن لتلقي الردود ثم الرد عليها. إنني أعمل، ولكن دعني أصارحك: أعمل لأنه عملي ويجب عليّ فعله، لا لأني مقتنع بهذا العمل!

إنني مقتنع بأن كتابتي في مجلة «لأُقنع» ليس أهم من كتابتي في مدونة «لأُوقظ». فكم قارئٍ قرأ تدويناتي فحرّكتُ مشاعره وأيقظته، وكم باحثٍ قرأ بحثي ولم يشعر بي حتى وهو يكتب اسمي في المراجع، وقد يخطئ فيه؛ ولو غيّروا اسمي من على البحث كاملًا لم يشعر المسكين بهذا التغيير والتزوير أصلا، لأن الأسلوب الذي يقرأه هو أسلوب كل باحث!

 


لدي 5 أبحاث مُرسلة إلى عدة مجلات، ولم يصلني بخصوصها ردًا ولا تحكيمًا. كلما أريد الشروع في بحث جديد، أتذكر أن لدي 5 أبحاث تحت التحكيم فأغتر، فأذكر نفسي بمقولة قائد الاتحاد بنزيما حين بارك له المذيع بالكأس لأن الفريق الذي سيواجهه أخيرًا فريق سهل، فكان ردّه «لا تهم هذه المباركات كلها، أنا لم أحصل على أي كأس بعد!».   

إن بنزيما يتلفّت وينظر في يديه ويقول «لم أحصل على أي كأس بعد، عن أي كأس تتحدث؟»، رغم أنه نظريًا سيحصل عليه فالرائد فريق سهل. أستن ببنزيما وأذكر نفسي وأقول لها: انتبه، أنت لم تستلم ورقة قبول واحدة بعد! قربك من النشر أو عندك 5 أبحاث تحت التحكيم لا تعني أنك «خلاص» نشرت. «الأرقام لا تعني بأنك استلمت الكأس».

 


ما الشيء الذي ازددتُ اقتناعًا به في مجال التعليم الأكاديمي؟ «عدم جدوى الاختبارات». إنني مقتنع تمامًا بأن الاختبارات لا فائدة منها. فالاختبارات اليوم تهدف إلى مراجعة الطالب فيما حفظ، نعم فيما يحفظ، وليس فيما يعلم. إن الطالب لا يحتاج اليوم إلى أن يحفظ المعلومات ويكررها، فالمعلومات متاحة للجميع، لا مخفية ولا محتجبة.

بعبارة أخرى، لا تختبر الطالب «ما اللغويات؟ وما اللغة؟ إلخ» فهذه معلومات يمكنه اكتسابها من قوقل. أعطه المعلومات مسبقًا واطلب منه إنشاء «أنموذج»، أي «معرفة متكاملة ومفيدة» منها. امنحه حرية جمع المعلومات من أي مكان، ثم طالبه أن ينشئ أنموذجًا علميًا يصهر بداخله ما جمعه، ويخبرنا بعد ذلك عن تطبيقات أنموذجه وفائدته.

 


ما الذي يفعله العمداء لفرض السيطرة على أعضاء هيئة التدريس في كلياتهم؟ تأكيدهم على صلتهم القريبة جدًا بالإدارة العليا من معالي ووكلاء جامعة. فإذا استطاع العميد أن يقنع الأعضاء بأنه ذو صلة قريبة بمعالي رئيس الجامعة أو بأحد وكلاء الجامعة، خاف الجميع من التواصل مع الإدارة العليا، خوفًا من أن تكون نفسها في جيب العميد!

هل فهمت الفكرة؟ إن العمداء هنا يخلقون شبحًا وهميًا يفصل بين العضو والإدارة العليا، فيملكون بهذا الشبح «حماية أمريكية». فالعضو سيتردد في رفع شكوى للمدير خوفًا من أن المدير يخبر العميد عن الشكوى فيتحالفان سويًا ضده! هل تريد فرض السيطرة؟ «فقط أشعر الآخرين بأنك محبوب ومقرب من ذوي السلطة والقوة والنفوذ».

 


ما معنى الاحتكار؟ «غياب البديل». فإذا لم يوجد بديل لشركة الاتصالات الهاتفية في دولة معينة، فهذا هو احتكار «كلي». أما إذا وُجِدَ بدائل ولكن بدائل ضعيفة لا تنافس تلك الشركة فهذا احتكار «جزئي». فإن وُجِدَ بدائل قوية وبنفس خدمات تلك الشركة فهذا بالضبط هو التنافس الشريف الذي يلغي معنى الاحتكار. فأين نجد الاحتكار؟

نجده في السوق، ونجده في الجامعات أيضا باسم «الاحتكار المعرفي الأكاديمي»! فمثلًا، لأن «بدل النُدرة» يُعطى للتخصصات التي يكون فيها «عدد الأجانب أكثر من عدد السعوديين»، نجد بعض الإداريين السعوديين يؤخرون توظيف السعوديين مكان الأجانب خوفًا على هذا البدل. وهذا احتكار كلّي لأنه لا يسمح بإيجاد بديل للأكاديمي الأجنبي.

 


إن خير قرار نفعله اليوم هو منع الجامعات المحلية من الصرف على التصنيف، ولو صارت بالنهاية جامعات هشة، فكم من جامعات هشة بالعالم، لا تُنتج بحثًا يربح، ولا تستقطب طالبًا يدفع. والبديل أن نستثمر في مراكز طبية متقدمة نكسب منها مليارات لأنها تطرح للناس العلاج النادر. أما الاستثمار في جامعات لها بدائل فهذه بداية الخسائر.

نعم، فرغم أن جامعات العراق وسوريا والأردن جامعات متأخرة في التصنيف الدولي والذي ننفق عليه نحن مليارات من الريالات، إلا أنها تنتج نفس أبحاث جامعاتنا، وتستقطب من المبتعثين نفس إن لم يكن أكثر مما نستقطبه. إذن، تصنيف لا مردود مادي له لا قيمة له، لاسيما وقد صار التعليم أرخص من التراب، لا أندر من الكبريت الأحمر.

 


ما الشيء الذي لا أفهمه؟ «اهتمام الجامعات  المحلية بالتصنيف»! نعم، سأفهم ذلك إن كانت الجامعات تقدم أبحاثًا طبية تستفيد منها ماديًا (كأن تبيع منها الأدوية)، وسأفهم ذلك إن كانت الجامعات تستقطب الطلاب الأجانب ليدفعون لها ويدرسون فيها، ولكنها أمور استحوذت عليها أمريكا بمراكزها البحثية وجذبها لطلاب العالم.

سأفهم هذا الاستثمار إن كان التعليم مصدر أرباح، ولكن أمريكا التي تستقطب المبتعثين باتت تعاني اليوم على المستوى التعليمي مع تطور الذكاء الاصطناعي وانتشار المنصات التعليمية ككورسيرا ويوديمي إلخ. إن الدولة الأولى في التعليم تتراجع على هذا المستوى لأن التعليم صار متاحًا ورخيصًا أكثر مما سبق، فهل نستثمر فيما عوائده متراجعة؟

 


ما المفارقة التي يشعر بها أكاديمو الجامعات اليوم؟ شعورهم بأن ما «تعلموه» في السابق أفضل مما «يعلمونه» اليوم. إنه شعور يحسه الأكاديميون جميعا. فالأكاديمي يشعر بأن فضاء الجامعات سابقًا كان أفضل وأريح وأجمل من فضاء الجامعات اليوم. كان ثمة تنوع وتحدي، تعدي وتصدّي، كان ثمة عراكًا بينيًا وحراكًا جمعيًا.

كان الطلاب في السابق يقولون: ماذا درسكم الدكتور فلان؟ فيقولون: درسنا مقررًا يختلف عن مقرركم. إننا أمام مدارس متضادة، تجعل الطالب يشعر بالتفرد والتميز والاختلاف التام. الآن الطالب يكرر: درسونا نفس ما درسوكم، نفس الشيء ليس لدي شيء جديد أقدمه. أنا لستُ مختلفًا عنك. أنا مصنوع ومطبوع بختم رسمي مثلك.

 


كانت الجامعات في السابق تُعطي دكتور المادة فرصة لاختيار المقرر وفرصة في تغييره متى ما شاء، وكان ثمة تنوع بين معارف الطلاب، وفجأة انشغلت الجامعات بمعايير الجودة واشتراطاتها، فوحّدت المقررات ووحّدت الاختبارات ووحّدت الأفكار والعقول، فتحولت الجامعة لمجرد «مدرسة ولكن فقط لمن تجاوز 18 عامًا».

نتفق بأن التنظيم جميل في كل شيء، ولكن بشرط ألا يأخذ التنظيم صفة التقييد. كان دور الجامعة تثقيفيًا فخرّجت لنا كبار المثقفين، وصار دورها اليوم تعليميًا، فماذا خرّجت؟ أنصاف مثقفين وأنصاف باحثين وأنصاف مدرّسين إلخ؟ المعرفة تزدهر بالحرية والمخالفة، تزدهر بعبارة «منهج فلان لا يعجبني، ولهذا سأدرسكم منهجًا مختلفًا».

 


ما معيار التخلف في المجلات العلمية اليوم؟ أنها تطالبك بالاعتراف باستخدام ChatGPT في البحث. فالمعلوم من البحث بالضرورة هذه الأيام بأن جميع الباحثين اليوم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، فلا حاجة لاعتراف بمعلوم. فهذا الاعتراف يشبه أن تعترف قبل ظهور ChatGPT بأن ثمة شخصًا ما صحّح ورقتك! لابد تعترف!

ولا يوجد مجلة قبل زمن ChatGPT تصر على أهمية الاعتراف بالمصححين البشريين. قد يقال يجب الاعتراف بالاستخدام اللغوي لا المعرفي ولكن: ما المشكلة في معرفة يقدمها ChatGPT إن تم التحقق منها؟ أليست معرفة متاحة تصل إليها به أو بقوقل؟! إن المطالبة بهذه الاعترافات تؤكد عجزنا عن استيعابنا لهذا التحول الجديد.

 


كانت معضلة طلاب الدراسات العليا سابقًا هي اكتشاف «الثغرة البحثية» (research gap)، ولكن يبدو بأنه - ومع الانفجار المعرفي الحالي ومع تزاحم العلوم وتراكمها - صار من غير الممكن القبض على ثغرة أصلًا، والسبب ضياع من سدّ تلك الثغرة بين الزحام والركام، فصار من الصعب العثور عليه! فماذا نتوقع أن يحدث مستقبلًا؟

المتوقع أن تُبنى الأبحاث على ركام بعض. جرّب أن تبحث موضوعًا ما، لنقل «لغة الأشقاء إزاء لغة الشقيقات». كيف تكتشف بأنه مبحوث أم لا؟ ثمة ركام هائل في الانترنت! ستستخدم كلمات مفتاحية ولن تجد وستستخدم أخرى ولن تجد (ربما تخطئ الكلمات المفتاحية) وعلى ذلك تكتب دون وعي في زحام، تكتب وتضيف ركامًا على ركام.