‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفكار غريبة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفكار غريبة. إظهار كافة الرسائل

 


ما خير نصيحة اعترضتني اليوم أثناء قراءاتي السريعة؟ قول أحدهم «كن نافعًا ولو بالنية». إنها نصيحة طيبة، ولكن الواقع يقول بأن الإنسان لا يستطيع أن يتحكم بنيّته، فنيّته تتحكم بها طبائعه. أن تنوي الخير للناس أمرٌ ليس سهلًا، وإن أدعاهُ كثيرٌ من الناس، ممن يقول: «أتمنى الخير للناس كلهم، والله إني طيب أحب الخير للناس، إلخ».

إنه لا يستطيع أن يتمنى الخير لجميع الناس إلا زعمًا لا قطعًا، فثمة استثناءات لحديثه (رجل، رجلين). إن النية اختبار سريع لقدراتك على التحكم: هل تستطيع أن تنوي الخير للناس جميعًا، أن تنوي الخير لعدوك، الخير لمن آذاك؟ إنك لم تستطع أن تتحكم بمجرد نية، مجرد شعور، مجرد كلام في الهواء، فكيف ستتحكم بسلوكك، تطورك، حياتك إلخ؟

 


خذها قاعدة: «الأفكار تشبه البلونات». تخيل ذلك في دماغك: حين تنفخ في الأفكار السلبية، فهذا يعني بأنك تنفخ في بالونة حمراء بجمجمتك، تنفخ بكلمات سلبية، تنفخ بالتفكير في مواقف مزعجة، تنفخ باسترجاع ذكريات مؤلمة، تنفخ وتنفخ حتى تكبر البالونة الحمراء وتملأ جمجمتك، بينما تزاحم وتضغط على البالونة الخضراء فتزداد تراجعًا.

ما الحل؟ انفخ في البالونة الخضراء أكثر، فكر في مواقف مبهجة، واسترجع ذكريات مفرحة، وركز على الأفكار الإيجابية، وتفاؤل بالخيرات المستقبلية، وستنفخ في البالونة الخضراء أكثر وستضغط على البالونة الحمراء لتزداد بدورها تراجعًا. فكر في الأمر كهذا وبكل بساطة: ثمة بالونة حمراء (سلبية) وبالونة خضراء (إيجابية)، في أيهما تنفخ أكثر؟!

 


تحكي الروايات أن حليمة - زوجة حاتم الطائي - كانت مشهورة بالبخل والإمساك، وكانت لا تستطيع أن تكثر من وضع السمن في الطعام، خوفًا على السمن من النفاد. فأراد حاتم أن يعلمها الكرم فقال لها بأن الأقدمين كانوا يقولون: إن المرأة كلما وضعت ملعقة من السمن، زاد الله عمرها يومًا، فأخذت حليمة تزيد من وضع الملاعق دون تردد.

قصة جميلة، إن صحت، فهي تعلمنا كيف يمكننا تغيير سلوك الإنسان بتغيير «نظرته» (attitude) أولًا. استخدم نفس الحيلة مع أطفالك، كأن تقول لهم: «سمعت بأنه كلما توقع الإنسان النجاح، سينجح، وإن لم ينجح فسيعوضه الله بشيء آخر»، أو كان الأجداد يقولون بأن «الإنسان إذا فشل في شيء، زاد عمره يومًا». جربها، فربما تغيّر بها نفسًا.

 


خذها قاعدة: «ثمة شيء فيك لا يصغر ولا يكبر، شيء ثابت فيك لا يتغير مهما تتقدم أنت في السنوات». إن مهمتك الحقيقية هي الشعور بهذا الشيء الثابت والانتباه إليه حتى تجده، فهو الأهم. لا تنشغل بالممتلكات والإنجازات التي تتلاشى قيمتها حين تكبر وتصبح هي ذكريات من الماضي بعيدة عنك لا قريبة منك بقرب هذا الثابت فيك.

ما هو هذا الشيء الثابت؟! إنه الشيء الذي يلاحظ تعبك وعملك، هو الشيء الذي يراقب حركاتك وسكناتك. هو ثابت لديك لا يتغير، فلا يكبر مع النجاح ولا يصغر مع الفشل. إنه كما يقول الرومي مثل البيت الثابت الذي تعود إليه في لحظة قصيرة وقصيرة جدًا، ثم تخرج منه سريعًا لتعيش العالم الخارجي. تعود فيه لحظة ثم تخرج منه فما هو؟ يتبع.

 


استكمالًا لما سبق، نقول: إن هذا الشيء الثابت فيك ليس الروح ولا البدن، وليس الوعي ولا الذهن. لا تضع له اسمًا فتفقده، ولا تبحث عنه فيتلاشى. إنه إحساس يأتيك لا فكرة، إحساسك بأنك ثابت حين تفقد كل ما تملك، وإحساسك بأنك ثابت حين تملك الدنيا بحذافيرها. إنك أمام كنز دفين حقًا، هو أغلى ما يملكه الإنسان في الحياة.

انتبه: لا تقل هذا هراء، فتفقد الكنز. حين تُوقف التركيز وتنظر من حولك، تنظر فقط من حولك ولا تنظر بنية البحث، كما لا تنظر بنية التركيز والاكتشاف، ستجده يتكشّف إليك. فقط تنظر وترفض التركيز، تنظر وترفض الاكتشاف، تنظر وتكرر بذهنك «لا تركز»، حينها ستشعر بالحياة الحقيقية، وستدرك أن ثمة بيتًا ثابتًا لم تُعره انتباهك.

 


خذها قاعدة: «كره الفعل أولى من كره الشخص». وقد علمنا هذا أبو الدرداء في قصته السابقة فقد مر على جماعة تجمهروا على رجل يضربونه ويشتمونه، فأقبل عليهم، وقال: ما الخبر؟ قالوا: رجلٌ وقع في ذنبٍ كبير. قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه؟ قالوا: بلى، ولكن ألا تبغضه أنت؟ قال: «إنما أُبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي».

هل تبغض شخصًا لأنه كذّاب ومغتاب؟ اكره فعله (= كذبه وغيبته) ولا تكرهه كشخص. هل تُبغض شخصًا لأنه متعاطي للمخدرات؟ اكره الفعل (= التعاطي) ولا تكرهه كشخص. أجهد ذهنك لتفصل بين الفعل والشخص وترحم الشخص الفاعل فهو ضحية لا جان؛ ضحيةٌ وقعت في فخاخ فعلٍ جان وشهوة ضالة استدرجته وأغوته.


 


يقول النبي ﷺ «واتبع السيئة الحسنة تمحُها»، ولعلنا نقلّد قول النبي ونقول: «واتبع النقمة النعمة تمحُها». فكما أن فعل الخير يمحو فعل الشر، فإن ذكر النعم يمحو أثر النقم. هل تعرضت لأزمة أو وقعت في مصيبة؟ اتبع ذلك بتذكر ما نالك من نعمة وما كتب الله لك من عطية. المهم أن تستحضر تلك النعم والعطايا بذهنك وكأنما بدأت قبل أيام.

مثلًا، تذكر وعِش اليوم الذي أُعلن فيه تخرجك، كيف فرحتك به؟ اللحظة التي حصلت فيها على شهادة أو التي خرجت فيها من سجن أو مشفى! عش تلك اللحظات لـ5 دقائق وبكل حواسك فمشكلتك في الذكر والتذكر. إن تذكر النعم جرعة وقرص من السعادة يهمل تناوله كثيرٌ من الناس ليتناولوا عوضًا عنه أقراصًا ملونة من نقم التعاسة!

 


خذها قاعدة: «النقمة صوتها أعلى من النعمة». النقم التي تمر بها تحمل ضجيجًا وصوتًا عاليًا، لا تحمله النعمة التي تمر بها، فالنعمة تمر بك بصوتٍ هادئ دون أن تشعر فلا تستشعر عظمتها. حين تمر بمشكلة، تتحدث عنها وتشتكي منها وتصنع ضجيجًا بها أمام الناس وحين تمر بنعمة لا تتحدث عنها فتبقى النعمة فيك، فتنساها لأنها بلا ضجيج!

حين يقول الله لقوم موسى «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ»، فإنه يريدهم أن يذكروا النعم كما يذكروا الله، رافعين بها أصواتهم، مناقشين لها بألسنتهم، وكأنما يلبّون تلبيةً بذكر الله في الحج. وحين يقول لإبراهيم «وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ»، فإنه يريد أن يحدثهم عن النعم ويذاكرهم فيها فلا ينسون قيمتها. نعم، اجعل صوت النعم أعلى، بترديد الحديث عنها.

 


خذها قاعدة: «ما يريده الناس بشدة مبالغٌ في قيمته، وما يستهين به الناس كنزٌ خفي». ودعني أعطيك أمثلة ولنبدأ بالذهب! الناس تريده بشدة ولكنه مبالغ في قيمته، بل هو بلا قيمة فعلية، فقيمته جاءت من الملوك القدماء حين تحاربوا عليه للتفاخر والزينة. فلو ملكت طنًا من الذهب وقرر الناس فجأة عدم شرائه منك ستعرف بأنه لا شيء.

جرّب حينها أن تتزين بهذا الطن من الذهب أو جرب أن تأكله. في المقابل، انظر الماء! يستهين الناس به ولا يشربونه إلا قليلا رغم وفرته، كما يستهينون بمسائل الاحتباس الحراري وجفاف القطب الشمالي وكأنها هامشية، والماء كنز. نعم، إن المسألة بسيطة: ما يستهين به الناس هو الكنز الخفي، وما يريدونه بشدة هو ذو قيمة مبالغ فيها!

 


خذها قاعدة: «ثمة أشياء تقتلك وثمة أشياء لا تقتلك». وهي قاعدة رغم بساطتها، من الصعب استيعابها. تقول القاعدة بأن ثمة أشياء من المحتم أنها ستقتلك مثل القلق والتوتر ومتابعة الأخبار ومطاردة الاستثمار، ورؤية مقاطع الدماء والخصام اليومي مع الدهماء، فهذه وإن كانت لا تقتل فورًا إلا أنها تقصر العمر تدريجًا! نعم لابد وأنها تقصّره.

فلا يمكن للقلق الذي يأتيك من استثمار أو التوتر الذي يأتيك من أعمال أن يطيلا عمرك، لا يمكن، بل سيقصرانه. في المقابل ثمة أمور لا تقتلك، مثل البعد عن متابعة الأخبار ومطاردة الاستثمار إلخ، فهذه لن تخسر ولن يقصر عمرك بتركها. فلماذا يختار الإنسان ما يقصر عمره طمعًا؟ هل جينات الطمع التي غُرزت فيه يُراد منها أن تقتله بالنهاية؟!

 


هل ذهنك مشغول؟ هل هو مشغول بأفكار مخيفة ووساوس عنيفة وشكوك غريبة وتوقعات مريبة؟ الحل بسيط: «كمّل بس». إن أسوأ عمل تقوم به في هذه الحالة هي أن تتوقف للحظة وتناقش هذه الأفكار والوساوس والشكوك، فهذا هو ما يتيح لدماغك المضطرب فرصة النفخ فيها وتضخيمها ورسم سيناريوهات عنها أكثر رعبًا وعنفًا. خطأ!

الحل هو أن تقول لعقلك أثناء ظهور هذه الأفكار «كمّل بس»، أي كمّل حياتك وأكمل كلامك الذي كنت تقوله أو إنصاتك الذي تقوم به أو عملك الذي بين يديك. حين تنشغل بما تفعل توصل رسالة لدماغك بأن أفكاره الطارئة ليست ضرورية بل أفكار قاطعة، قاطعة بقوة لأعمالك الهامة وسيسعى لعدم إرسالها إليك لاحقًا. يُتبع.

 


لماذا حين تتجاهل الأفكار الوسواسية، وتنشغل بأعمالك الواقعية، تخف الأعراض. السبب أن «الفعل يهزم الفكر». حين تزورك الفكرة، فتقول «كمل بس» أي أكمل حياتك وما تعمل الآن الآن، لا يستطيع الدماغ أن يفكر ويفعل شيئين سويًا. إن الإنسان بين خيارين: إما الفعل أو الفكر. إما أن يفعل شيئًا، أو يفكّر ويحلل شيئًا، لا شيء آخر أبدًا.

جربها إن كان عقلك مشغولًا. احذر الأفكار لانها تقتات على النقاش والتفكير، والتزم بالأفعال فهي تقتات على الواقع والتنفيذ. ربما تشعر في البداية بتوترات لأن دماغك لم يعتد حل المواجهة بل اعتاد حل الطمأنة. إذا لم ترتبك، فأنت لا تتحسن. دليل التحسن هو أن ترتبك في البداية، فالارتباك مؤشر يؤكد بأن دماغك يتدرب على المواجهة (وبالفعل).

 


ما خير نقد للذات، وهل يُعقل بأن ثمة نقد للذات قد يكون من الخير لا الشر؟ نعم، إن خير نقد «أن ينتقد الإنسان نفسه بأن الناس لا يتوقعون منه الكثير». إن الإنسان الذي يمدح نفسه قائلًا «إن الناس تتوقع مني الكثير» يمارس ضغطًا هائلًا على نفسه ويطالبها بالكمال؛ فالناس تتوقع منه الكثير، فلا ينبغي أن يكون ناقصًا ولا مخطئًا ولا مُعابًا!

أما قول الإنسان لنفسه «الناس أصلًا غاسلة يدها مني، ولا تتوقع مني الكثير، وأصلًا محد ينتظر مني عبقرية ولا استثنائية» فهذا نقد على مستوى إيجابي، فوائده أنه يزيح الضغط عن الإنسان، ويشعره بالنقص وعدم الكمال، ويدفعه للتجربة دون تردد أو إذعان. هل تقبل بأن تنتقد نفسك وتخبرها بأن الناس أصلًا تراها من حيث الإنجاز «من جمبها»؟!

 


قرأتُ في جريدة قبل يومين أنه ورغم حرص وكالة ناسا على عدم نقل بكتيريا إلى الفضاء عبر المركبات الفضائية، توجد بكتيريا تتسلل إلى المركبة وتظل حية تقاوم الضغط الهائل في الفضاء وتزداد تجذرًا، كما شاهدتُ فيلمًا عن حشرة تقاوم درجات هائلة جدًا من الحرارة ولا تموت رغم صغر حجمها! إنها رسالة تقول: «القوة ليست في الحجم بل الكتلة».

 إن كونك بحجم أكبر لا يعني قوتك، فحجم 300 كيلو من الشحوم ليس أقوى من كتلة 300 كيلو من العضلات. إنها رسالة تقول بأن حجمك الصغير قد يكون مصدر قوة دون أن تعلم. رسالة تقول أن العظمة في اللامرئية: إما صِغرًا لا تستبينه العين أو كبرًا لا تحتويه، وفي البكتيريا والفيروسات المقاومة للمضادات آية وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.

 


خذها قاعدة: «إيقاف تأثير الألم أولى من إيقاف الألم نفسه». لا تفكر طويلًا في إيقاف الألم النفسي أو البدني الذي تمر به إن كان لا يمكنك إيقافه، ولكن فكر طويلًا في إيقاف تأثير الألم على سلوكك وتصرفاتك. هل أنت متألم من فقد حبيب؟ لا تهتم طويلا بإيقاف هذا الألم، ولكن فكر في إيقاف تأثيره على سلوكك: هل يدفعك هذا الفقد إلى الانطواء؟

نعم تساءل عن تأثيرات الألم: هل يدفعك إلى إهمال عملك؟ هل يدفعك إلى التهور في البحث عن حبيب بديل؟ انتبه إذن: فتأثيرات الألم ممتدة في يومك أكثر من امتداد الألم في نفسك وجسدك. أوقف تأثير الألم بفعل العكس: تهتم بعملك، توقف الانطواء، لا تتعجل البديل، فخطورة الألم في تحكمه لا في تواجده، أيهما يتحكم؟ أنت أم الألم؟

 


اعترضتني فكرة في تطبيق التيكتوك تقول «من يحمي عينه يحمي نفسه»، وأراها صحيحة ولي دليلٌ عليها من اللغة العربية. فحين يريد العرب التأكيد، يستخدمون كلمة «عين» أو «نفس» فيقولون «جاء محمدٌ نفسُه أو جاء بنفسه» أو يقولون «جاء محمد عينُه أو جاء بعينه» وكأن النفس هي العين وكأن العين مدخل النفس، فمن يحمي عينه يحمي نفسه!

لم يقل العرب «جاء محمدٌ بأنفه (= شم) أو بأذنه (= سمع) أو بلسانه (= ذوق)»، ولكنهم يضيفون الباء ويقولون «فر محمد بجلده أو جاء بلحمه وشحمه (=لمس)». وكأن العين وما تبصر والجلد وما يحس لهما ارتباط بالنفس أكثر من أي حاسة أخرى. ما تراه يحرك نفسك وما تلمسه حضنًا أوعناقًا يحرك نفسك أيضًا، فاحرص على حماية هاتين الحاستين.

 


في كتابها «قصة حياتي»، تقول هيلن كيلر وقد ولدت عمياء صماء بكماء: «كنت أسأل صديقاتي المبصرات عما يشاهدن. وقد زرتُ صديقة لي مؤخرًا وأخبرتني بأنها عادت للتو من الحقل وقد قضت في الحقل ما يقارب الساعة. سألتها: ماذا شاهدتِ؟! قالت: لا شيء! إنها إجابة مكررة، إن المبصرين لا يرون إلا القليل». انتهى كلامها.

نحنُ هنا أمام عبارة قيمة: «المبصرون لا يرون إلا القليل». نعم، إنك لا تركز على ما تراه ولا تقدّر ما تشاهده. تكمل هيلين حديثها فتقول «أنا كإنسانة عمياء أجد كل يوم مئات الاشياء التي تشد انتباهي من خلال حاسة اللمس فقط». جرب أن تغمض عينيك اليوم وتكتفي باللمس، جرب اللمس لخمس دقائق فربما ترى بيدك أشياء لم ترها بعينك.

 


ثمة مدرسة تقول «غير أفكارك، تتغير حياتك»، وهذه مدرسة «العلاج المعرفي السلوكي» (CBT)، فالمعرفي (cognitive) أي الفكري (= غير أفكارك) والسلوكي (behavioral) أي التصرف (= تتغير تصرفاتك). ثم ظهرت مدرسة جديدة أخرى عارضت هذا الموقف قائلة بأن تغيير الأفكار غير ممكن، فالفكرة المقموعة تعود مجددًا.

إنها مدرسة «القبول والالتزام» (acceptance and commitment therapy) أو (ACT) اختصارًا، وتقول بأن قولنا «لا تفكر في فيل وردي» يجعلك تفكر فيه! فمهما تغير فكرة «الفيل الوردي» تعود مجددًا، فالحل بتقبل الفكرة وعدم تغييرها، ثم الالتزام بفعل أنشطة تحبها ولها معنى في حياتك. فأي المدرستين على حق؟ يُتبع.

 


كلا المدرستين محق. فرغم زعم مدرسة القبول والالتزام بأن قمع الأفكار لا يجدي، إلا أن ثمة أفكار تتوارى حين نتحداها بالدليل. ورغم زعم العلاج المعرفي السلوكي بأن تغيير الأفكار يغير الحياة، إلا أن ثمة أفكار تعود فتدمر الحياة ولا حل إلا بتقبلها. فما الحل؟ إنه «الالتزام» الذي تروج له مدرسة القبول، أي أن تلتزم بالأنشطة التي تحبها.

فيمكن دمج المدرستين: استخدام الدليل لتحدي الأفكار المزعجة ثم الالتزام والانشغال بالأنشطة التي يحبها الإنسان. بعبارة أخرى، تكون المعادلة: «غير» أفكارك و«التزم» بحياتك. تتحدى الفكرة لعشر ثوان فقط (= تغيير الأفكار من مدرسة CBT) ثم توقف التفكير كليًا وتنشغل بنشاط تحبه وتذكر نفسك به (= الالتزام من مدرسة ACT).

 


من الأنشطة التي يقوم بها البعض هي أن يسأل نفسه: «ماذا سيقول الناس عني حين أموت؟»، هل كلامهم عني ثناء ومدح أم شتمٌ وجرح؟ هذا نشاطٌ يذكرك بأن تحسن إلى الأحياء، ولكن ثمة نشاط آخر ربما يذكرك بمعاملتك للأموات، وهو أن تسأل: «ماذا ستقول أمي التي ماتت قبل سنة إن سمعت بوفاتي وسمعت بقدومي عليها؟».

«ماذا سيقول أبي الذي رحل قبل 5 سنوات إن سمع بوفاتي وسمع بقدومي عليه؟»، هل سيفرح بمجيئي أم سيضيق به؟ هنا تسترجع مواقفك من الأموات، لا الأحياء فقط. والخبر السار أن في فترة البرزخ الكل يكرر «نفسي نفسي»، وهي كلمة عظيمة تؤكد غياب الأحكام الناقدة. بالله عليك هل سيلومك من يكرر «المهم نفسي المهم نفسي»؟