‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدين والحياة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدين والحياة. إظهار كافة الرسائل

 


ماذا نتعلم من حقيقة أن النبي ﷺ كان لا يجيب على السؤال إلا بعد نزول الوحي؟ «نتعلم التريث في الرد». لقد كان النبي ﷺ ينتظر الأيام بل الأسابيع يقلّب المسألة وينتظر إلهام الله له فيها. ففي حادثة الإفك، انتظر النبي ﷺ أسبوعين كاملين ليفصل في مسألة حساسة كان الناس يتداولونها ليل نهار وهو يسمعهم وكانوا يناقشونها ولا يستطيع أن ينهرهم.

لم يتكلم النبي ﷺ رغم حرارة الموضوع فهم ينالون من عرضه ويتكلمون في بيته وبعضهم يقترح عليه أن يغيّر زوجه، ومع كل ذلك كان صامتًا ينتظر الوحي. إن في صمته ﷺ سنة نبوية لنا، فمن السنة أن تنتظر أسبوعين كاملين تفكر في مسألة واحدة تمس حياتك، تستخير فيها ربك ولا تنطق فيه بقرار ولا تختار فيها خيار إلا بعد أن يلهمك الله إلى شيء!

 


ما أقرب علمٍ لعلم النفس؟ إنه «الفقه». فالفقه قديما لم يكن مجرد فتاوى وأحكام، ولكنه إدراكُ ما يحتاجه ويميل إليه الإنسان. يقول أبو حنيفة مثلًا في تعريفه لعلم الفقه: «الفقهُ معرفةُ النفس ما لها وعليها بدليل (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)». فحين تعرف ما كسبته نفسك «فطرةً» (من خير) وما اكتسبته «اكتسابًا» (من شر)، فذلك هو الفقه.

وكذا علم النفس، فهو أن تعرف ميولات الخير فيك وما يدفعك للالتزام، وميولات الشر فيك وما يدفعك للاجترام. ربما حين «تفقه» نفسك وتعرف بأنها فانية غير مخلدة وطائشة غير عاقلة، تزهد في الدنيا كما قال البصري «الفقيه هو الزاهد في الدنيا»، فالفقيه يبلغ من معرفة نفسه وشهواتها ومعرفة دنياه وغرورها ما يدفعه إلى أن يزهد فيها.

 


في حديث مسلم يقول النبي ﷺ «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟! فسأله سائل: وكيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة». إن مثل هذه الأحاديث النبوية أحاديث دينية ودنيوية في نفس الوقت، فمن خلالها يستطيع المسلم أن يجعلها مصدرًا لسعادته في دنياه وأخراه.

فمن أسباب السعادة ما يسمى عملية «التلذذ» (savoring)، أي أن يرى الإنسان في كل شيءٍ من حوله شيئًا جميلًا. ومن ينظر حوله ويتأمل في كل جمال (من طعام، جهاز، شخص إلخ) ويردد «سبحان الله» يزيد من أسباب تلذذه لجمال الدنيا. تأمل قوله «يسبح مائة تسبيحة»، هل تستطيع أن تقوم بـ «مائة» تلذذ واستشعار للجمال في اليوم؟!

 


حين يوصيك أحدهم ويذكرك قائلًا «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، تتذكر أهمية ذكر الله وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والاستغفار فهي سبب اطمئنان القلب. ثم تأتي لتقرأ القرآن وتسبح وتهلل وتستغفر ولا تشعر باطمئنان كامل، فما السبب؟ السبب أنك لا تعي بأن آية «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» تعني «ألا (بتذكر) الله تطمئن القلوب».

إن قلبك سيطمئن حين تتذكر بأن الله قريبٌ منك، وعلى يمينك ومن خلفك ومن أمامك. تتذكر ذلك دائمًا؛ تتذكر أن الله ساعدك ويقف بجوارك. حين تمشي وتستشعر روح الله تحفّك وتحميك، وتدخل في مشروع وتستشعر بأن الله معك وهو من يخطط عنك ليُعطيك، هنا يبدأ الاطمئنان! الأزمة تكمن في شعورك بأن الله بعيدٌ عنك! تذكر: «إِنِّي قَرِيبٌ».

 


ما الذي أعجبني في الإمام أحمد بن حنبل؟ قولهم بأنه كان يرى «رواية الحديث عبادة، ولا مزاح في العبادة». فحين يتذاكر الحديث والسند مع طلابه ويجالسهم، كان بعضهم يثير المزاح في قضايا بعيدة، وكان الإمام يؤكد لهم بأن هذا العمل/النقاش الذي هم فيه عبادة كعبادة الصلاة، ولا مزاح في العبادات، فالمزاح يُبطل العبادات وينقضها!

إن هذا يؤكد لنا بأن الإمام أحمد كان يحتسب كلَ عملٍ يعمله صلةً لله. فحين يحتسب أعماله كصلات توصله بالله وتقربه منه، يستشعر بأنه في خضم عبادة الصلاة نفسها، ولا صلاة لمن يمزح. لا تمزح أنت أيضًا، حين تكتب كتابًا أو بحثًا أو تورد قولًا، وتذكر بأنك تتصل بالله. هل عملت اليوم على شيء وهل تستطيع أن تفكر فيه كصلاة لا تقبل المزاح؟!

 


خذها قاعدة: «كل الأشياء تسجد لله، من إنسان وحيوان ونباتٍ وجماد»، والدليل قول الله «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ»، فالكل ساجد بما في ذلك الشمس والقمر بدليل «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» إلخ الآية.

هل تعجب من هذا حين لا ترى جمادًا يسجد؟ الإجابة تأتيك من الطبري إذ فسر قوله «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ» بأن دلالة سجود الجمادات في ظلالها. فإذا نظرت إلى ظل الإنسان والحيوان والنبات والأشجار تجدها جميعا تمتد على الأرض وتقبّلها، وكأنما «الظل» هو دلالة سجود الكون لله!

 


حين يقول الله «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا»، فإنه يقول بأن مخرجك من أزمتك يكون بـ «تقوى الله» من صلاة وصيام، والكف عن معاصيه من سباب وشتام. إن مخرجك من أزمتك يكون من التقوى وهي مفهوم أخلاقي شامل. هل تتقي الله في زوجتك واحتياجاتها، وتتقي الله في أسرتك ومتطلباتها؟ إذا لا، فكيف بالله ستجد المخرج؟!

هل تتقي الله في إنصاف المظلوم (الذي تراه محاربًا في بيئة عملك)، وفي إغاثة الملهوف (العالق في عطالة، العاجز أمام أسرته عن الإعالة)؟ إذا لا، فكيف تجد المخرج؟ هل تتقي الله وتدعم الصادقين وترشد الضالين وتقدم النصح وتمسك لسانك عن القدح؟ إذا لا، فلا تنتظر مخرجًا من أزمتك نهائيًا. نعم، لا تنتظر مخرجًا وأنت سيء الأخلاق! نقطة.

 


ما خير رد لمن يطلب منك الدعاء بالتوفيق والتيسير؟ أن تقول له إن طلبك ذلك: «أسأل الله أن يوفقني ويوفقك، وييسر لي ولك، ويرزقني ويرزقك»، قل «آمين». فإن قال «آمين» فقد دعوت لنفسك وله، وتأمينه دعاءٌ ثانٍ لنفسه ولك. بعبارة أخرى، لا ترد بـ «الله يوفقك وييسر لك ويرزقك» وتفيده وتنسى نفسك. ادع لنفسك ثم للآخرين.

وهذه طريقة النبي ﷺ ، فعن أبيّ بن كعب قال، قال رسول الله ﷺ: «رحمة الله علينا وعلى موسى، وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه». وقد علق المناوي على ذلك في فيض القدير قائلًا: «ولهذا ندبوا للداعي أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبل دعائه لغيره، فإنه أقرب للإجابة، وأدخل في العبودية، وأبلغ في الافتقار، وأبعد عن الزهو والإعجاب».

 


خذها قاعدة: «العمل الإيماني المأجور قد يتحول فجأة إلى عمل شركي مأثوم». وهذا يحدث حين تُشرك بالله. فمن يذهب إلى الصلاة ليمارس عملًا إيمانيًا يبتغي منه الأجر، فسيكتب الله له الأجر إن كان يريد به وجه الله. وإن ذهب إلى الصلاة ليمارس عملًا إيمانيًا يبتغي منه الأجر من الناس (ليروه ويحمدوه) فقد استحال عمله عملًا شركيًا مأثومًا.

فإن قال قائل بأن المصلي قد يؤجر ببعض التسبيح ولا يكتسب إثم الإشراك، يُرد عليه بأن أجر التسبيح يُحبطُ بدليل «وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ» و«لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك»، ثم يضاف عليه إثم الشرك و«إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»، و«إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ». فالشرك ظلمٌ عظيم لا يغفره الله أبدًا، (ركّز لا يغفره الله)، فلابد من احتسابه كإثم.  

 


ما معنى الوسطية؟ «التوسط بين سيئين»، هكذا قال الفقهاء. فقوله «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا» يؤكد أن الوسطية بين التبذير (وهو سيء) والتقتير (= البخل) وهو سيء. أما قوله «مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هٰؤُلَاءِ» فلا يؤكد الوسطية لأن الطرفين ليسا سيئين بل: مسلمون (= جيدون) وكافرون (= سيئون).

قلتُ: إن كان النفاق بين سيءٍ وجيد، والوسطية بين سيءٍ وسيء، فما الذي بين جيدٍ وجيد؟ إنه التجوّز (فالنبي ﷺ كان يتجوز في صلاته إذا سمع صراخ الصبي، أي أنه يأتي بما يجيز صلاته). فالجيد العلوي مستحب والجيد السفلي مكروه، وما بينهما جائز. نعم، المكروه جيد سُفلي، فالمكروه في بعضه خير وفي بعضه شر. ولو كان كله شر، لكان حرامًا.

 


ربما سمعت بقصة مؤاخاة المهاجرين والأنصار. ولكن هل تعلم أن ثمة 30 صحابيًا هاجروا ولم يجدوا مأوىً ولا ملبسًا ولا مال، وكانوا بلا قبائل وأعوان (منهم أبو هريرة وبلال وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وصهيب الرومي)؟ إنهم أهل الصفة أو أهل الظلة، وقد بنى النبي ﷺ لهم المسجد ليسكنوا في ظلاله، فهدف بناء المسجد إيواؤهم.

وقد كان النبي يطعمهم في بيته وهو مجاور للمسجد رغم الفاقة: «كُلوا والله ما أمسى في بيت آل محمد طعامٌ لستم ترونه». ولما طلبت فاطمة خادمًا قال: «والله لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم». إنها قصة قائد مسؤول، وقصة قوم ضحّوا، كانت «هجرتهم لله ورسوله لا لدنيا يصيبونها أو امرأةٍ يتزوجونها».

 


سُئل سفيان بن دينار عن الصحابة فقال: «كانوا يعملون قليلاً ويؤجرون كثيرًا»؛ ولتتوقف عند جملته القصيرة هذه طويلا. يقول: «كانوا يعملون قليلًا ويؤجرون كثيرًا»، فقيل له: ولِمَ ذاك؟ قال: «لسلامة صدورهم». أي أن صدور الصحابة سليمة: (١) تُخلص العمل لله، (٢) تخلص الصدق للناس فلا شرك ولا شحناء ولا حسد ولا بغضاء.

إن العبرة ليست بزيادة العمل بل بسلامة الصدر. لا يهمك كم عملت، وليكن همك كم عملتَ من عملٍ تريد به وجه الله؟ ستجد القليل. كم عملتَ من عملٍ للناس لا فيه مَنٌ ولا مراء، ولا حسدٌ خفيٌ ولا بغضاء؟! إنه التحدي الكبير الذي جاء به الإسلام: سلامة الصدر. تستطيع السيطرة على عملك، ولكن هل جربت السيطرة على قلبك؟!

 


ما معنى «الأعراف»؟ الأعراف هي المنطقة الواقعة بين الجنة والنار، وفيها سيكون من تساوت حسناتهم بسيئاتهم يوم القيامة، وقد وردت في سورة الأعراف لقوله «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ.. وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ إلخ». الغريب أن هذه الفكرة لم تظهر في المسيحية إلا في القرون الوسطى وباسم «الليمبوس».

نعم، وقد أنكرها البابا عام 2006 وهي مؤشر على أخذ المسيحية من الاسلام (ردًا على تهمة أخذ الإسلام من المسيحية). الأعراف تعني الحدود، وحتى قولنا «هذه تقاليدنا وأعرافنا» نقصد بها «هذه ملازمنا وحدودنا». فالتقاليد هي قلائد بأعناقنا تلزمنا وتربطنا بأجدادنا، والأعراف هي حدود وخطوط (=حمراء) نحترمها ولا نتجاوزها.

 


في الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر، ثم قال: أفتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟! ركز في عبارة «ولا تحتسبون الخير؟»، وفكر فيها كعملية حساب لا احتساب.

يقول أتحسبون عدد الشر ولا تحسبون عدد الخير الذي فعلتم؟! فإذا كنت تركز على سوء أعمالك وتحسبها، جرب أن تحتسب أقصد أن «تحسب عدد الخير الذي فعلته» (= أحسنتُ إلى فلان، فعلتُ معروفًا لفلانة، قدمتُ خيرًا لعلّان، سبق وأعطيت علّانة هدية إلخ). هل ستأخذ 5 دقائق لتحسب الخير الذي فعلته أم أنك مهتمٌ فقط بحساب الشر؟

 


ما فائدة القصص؟ ثلاث: التفكر لقوله «فَاقْصُصِ الْقَصَصَ (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)» والاتعاظ لقوله «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ (عِبْرَةٌ) لِّأُولِي الْأَلْبَابِ» وتثبيت الفؤاد لقوله «وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)». إن كل قصة تقرأها تخرج منها بثلاث فوائد: (1) فكرة تقتدي بها و(2) عظة تحذر منها، و(3) تثبيتٌ لفؤادك القلق المضطرب.  

اقرأ قصص الناجحين وستجد أفكارهم التي أعانتهم في تدرجهم الوظيفي وتطورهم المهني وطبّقها. اقرأ قصص الناجحين واتعظ من أخبار فشلهم وانكسارهم وتجنبها أو تقبلها وتعلم من صبرهم واصطبارهم.  اقرأ قصصهم وعش مأساتهم لثتبّت فؤادك وتتذكر بأنك لست وحدك. ما آخر قصة قرأتها؟ هل فيها فكرة وعظة وتثبيت؟

 


ما الذي لم أفهمه في الفقه الإسلامي؟ قولهم بأن ثمة واجب وحرام. من فعل الواجب فله أجر، ومن تركه فعليه إثم (لأنه ترك واجبًا)، ومن فعل الحرام فعليه إثم، ومن لم يفعله فله أجر (لأنه ترك حرامًا). السؤال الآن: هل أنا بجلوسي أمام طاولة الطعام مأجور لأني تركت حرامات كثيرة (لنقل ألف حرام): المسكر والزنا والغيبة والقتل والزور إلخ.

إن الحرام كثير، وتركته كله وانشغلتُ بطعامي، فهل لي أجرٌ على ترك كل هذه الحرامات، أم الأجر مرتبطٌ فقط بالسياق (إن أُحضر الخمر فتركته فلي أجر، وإن حضرتُ الغيبة وتركتها فلي أجر). قالوا بأن الحساب يكون بالنية فلي ألف حسنة باحتساب تركي لألف حرام. إن الأمر يدعو للمراجعة لماذا؟ لأن السياق شرطٌ لإثم من ترك الواجب! كيف؟   

 


من ترك الصلاة وهي واجبة (فعليه إثم)، ولكن ثمة 5 صلوات، فمن حضرته صلاة معينة وصار في سياق الصلاة ووقتها، فتركها فعليه الإثم حينها. وعلى ذا، من ترك شرب المسكر فقط حين تقدم إليه، أي أنه في سياق الخمر، فله أجر لأنه في سياق الخمر. قالوا لا، بل الاحتساب قد يحول ترك الحرام (وإن كان ألف حرام) إلى ألف حسنة عدًا.

لكن: ألا يدفع هذا القول الإنسان لترك التسبيح (كونه مستحب لا يأثم تاركه) ليكتفي بالاحتساب في ترك الحرام الذي يأثم فاعله؟ نعم، إن كل ثانية تحتسب فيها تركك لألف حرام قد تُعطى فيها ألف حسنة رقمًا. فهل هذا يؤكد  بأن «الاحتساب» أعلى درجة من «الاستحباب»؟ هل «النية» (= فكرة) أكثر إنتاجًا للحسنات من «العمل» (= تسبيحة)؟!

 


ما أقرب حديث موافق للقرآن؟ «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات». فكل هذه السبع وردت في القرآن مقرونةً بعذاب النار والخلود فيها مع غضب الله ولعنته، واللعن هو الطرد من رحمة الله فلن يرحم الله فاعلها أبدًا.

لنبدأ بالشرك، يقول الله «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ (وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ (وَغَضِبَ) اللَّهُ عَلَيْهِمْ (وَلَعَنَهُمْ) وَأَعَدَّ لَهُمْ (جَهَنَّمَ) وَسَاءَتْ مَصِيرًا». ويقول في قتل النفس التي حرم الله «وَمَنْ (يَقْتُلْ) مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ (جَهَنَّمُ) خَالِدًا فِيهَا (وَغَضِبَ) اللَّهُ عَلَيْهِ (وَلَعَنَهُ) وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا».

 


أما في قذف المحصنات، فـ«إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ (لُعِنُوا) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ (عَذَابٌ) عَظِيمٌ». وأما السحر فهو كُفر «وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ»، و«إِنَّ اللَّهَ (لَعَنَ) الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ (سَعِيرًا)». وفي التولي يوم الزحف: «وإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ... فَقَدْ بَاءَ (بِغَضَبٍ) مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ (جَهَنَّمُ) وَبِئْسَ الْمَصِيرُ». وفي الربا «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ (الرِّبَا)... وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ (النَّارِ)، هُمْ فِيهَا (خَالِدُونَ)». وفي أكل مال اليتيم «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ ... إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (= أي موبقة). «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ (نَارًا) وَسَيَصْلَوْنَ (سَعِيرًا)».

 


حين تسأل أحدهم عن الصراط، يؤكد بأن الجميع سيمر عليه بدليل «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا». مع ذلك، فالآية تقول «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا»، وحرف «من» يقتضي التبعيض، أي «وإن بعضكم إلا واردها» وليس الجميع، وهذا التفسير أقرب لأن الآية التالية تؤكد نجاة المتقين وابتعادهم عن الصراط: «ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ اتَّقَواْ».

يقول الله «إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا (تأمل الإبعاد التام عن النار والصراط)... لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ (= أي لا يرون يوم القيامة) وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ، يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاَء»، فطيّ السماء جاء بعد إدخالهم الجنة. هذا هو الوعد الحقيقي للمتقين: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.