‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنطق والتفكير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنطق والتفكير. إظهار كافة الرسائل

 


ما هو منهج الإمام أحمد في الحكم الفقهي؟ أنه يأخذ بالقرآن والسنة والإجماع، وقبل أن يأخذ بالقياس، يأخذ بالحديث الضعيف أو المرسل، لأنه يقول: سألتُ الإمام الشافعي عن القياس فقال: إنما يُصار إليه عند الضرورة. فمثلًا، لو سُئل الإمام أحمد في زمننا عن «ممازحة الأطفال»، فإنه سيبحث عن أي حديث عن «ممازحة الأطفال» قبل الحكم.

فقبل أن ينظر إلى ممازحة الأطفال على أنها قريبة من التبسم في وجه أخيك صدقة، ويحكم بأنها مستحبة وعليها أجر، سيحكم بأنها مكروهة لو وجد حديثًا ضعيفًا يقول «الوقار خيرٌ من المزاح». إن منهجه في الأخذ بالضعيف أفضل، فالأحاديث الضعيفة غالبًا ما تُرغِّب إلى الخير والأخلاق، وستعود على المسلمين بمنافع أخلاقية تفوق القياسات المنطقية.

 


يُروى أن الناس أشاعت عن أبي حنيفة بأنه يترك الحديث ويأخذ بالمنطق والقياس، فذهب الباقر إليه لائمًا. فقال له أبو حنيفة وراقب دهاءه: إن لك يا محمد عندي حرمة كحرمة جدك ﷺ، وإني سائلك عن ثلاث: الرجل أضعف أم المرأة؟ قال الباقر: المرأة. قال أبو حنيفة: أليس الأولى أن نُعطي الأضعف سهمين من الميراث وسهمًا للأقوى؟!

الصلاة أفضل أم الصوم؟ قال الباقر: الصلاة فهي ثاني الأركان. فقال أبو حنيفة: فلماذا حين تحيض المرأة تُطالب بقضاء صومها دون صلاتها، والصلاة أهم؟ البول أنجس أم النطفة؟ قال الباقر: البول. قال أبو حنيفة: فلماذا نغتسل من النطفة الطاهرة ونتوضأ فقط من البول؟ لقد أفتيتُ برأي جدك ﷺ وحديثه ومعاذ الله أن أحوّل دينه بالمنطق والقياس.

 


خذها قاعدة: «الفقه مدرستان: مدرسة الأثر ومدرسة الرأي». مدرسة الأثر تميل إلى تقديس الأثر والقول والأخذ بنصه وروحه، فتتحرك فقط بالدليل من القرآن أو بالحديث من السنة. أما مدرسة الرأي فهي مدرسة تميل إلى الحجة والبرهان، فتعالج المسائل النازلة بالقياس وإن لم يكن لها حديث وآية، فهي تنظر دومًا إلى المقاصد!

لقد كان الإمام أبو حنيفة من مدرسة الرأي (فكان يقيس كثيرًا) وكان الإمام مالك وأحمد من مدرسة الأثر فيتمسكون بالنصوص. فهل تعرف لماذا تميز الشافعي؟! إنه الوحيد الذي جمع بين الأثر والرأي، فأصّل الأصول برأيه، وطعّمها بنص ربه، فجعلها مدرسة متماسكة. هل تحتار أي نظرية تختار؟ ادمج بين نظريتين أو قارب بين مدرستين، فذلك الفوز.

 


خذها قاعدة: «قيمة المعلومة في استعداد المتلقي لا فرادة المتكلم». ربما تظن بأن على المتكلم أن يكون فذًا فريًدا في خطابه ليؤثر في الآخرين، وفي الواقع أن العكس هو الصحيح، وهو أن على المتلقي أن يكون مستعدًا وجاهزًا بقلبه ليتأثر بما يقال. نعم، ليس ثمة إجابات جديدة 100%، ثمة إجابات مكررة قديمة ولكنها محسّنة بما يكفي لتثير المتلقي.

أحيانا أجد ذلك في حياتي. أسمع فكرة تتكرر على مسامعي طوال العمر فلا أتأثر بها، وفجأة وفي الصباح وأنا مرتدي ثوب نوم وجالس على كرسي أمام النافذة وبقلب مفتوح، أسمع نفس الفكرة فألتقطها فأتأثر بها مدى الحياة. إنك لن تتأثر بفكرة مكررة حتى تأتيك تلك الفكرة في الوقت المناسب والمكان المناسب وتكون أنت في الحال المناسب.

 


ثمة طريقتان لعمل الدماغ: دماغ يركز على المشاكل ودماغ يركز على الحلول. فخير من إبقاء دماغك يفكر ويركز على المشكلة، شتت تفكيرك لينشغل بالتركيز على الحل. إن الفكر العملي هو الذي يركز على الحل لا على المشكلة. فالمشكلة التي تفكر فيها طويلًا وتزداد تعمقًا وتجذرًا تؤكد لك شيئًا واحدًا وهو أن التفكير الطويل هو نفسه ما يصنع المشكلة.

لكن: ماذا لو لم تستطع تشتيت تفكيرك وتحويله للتركيز على الحل؟ أن تحيله من التفكير في مشكلة قديمة إلى التفكير في مشكلة جديدة. بعبارة أخرى، أن تنافس المشكلة بمشكلة أحدث. فبما أن طبيعة دماغك الاهتمام بالمشاكل دومًا، فانشغل عن مشكلتك القديمة (والتي تستنزف تفكيرك دومًا) بالتفكير في مشكلة أجدد في حياتك أقل استنزافًا.

 


ما الذي ستفعله في حال كنت تمشي في الشارع وانحرفت باتجاهك شاحنة بترول قابلة للاشتعال؟ الأقرب أنك ستتجمد قليلًا ثم سترمي بنفسك بعيدًا عنها، ما أمكنك ذلك. ممتاز، لكن ماذا لو نجوتَ منها، ماذا ستفعل؟ الأقرب أنك ستتوقف وتنتظر وتراقب سير الشاحنة، والشاحنة قد تنفجر بنيران هائلة تلتهمك وتلتهم المتفرجين معك.

فكر في انتظارك التالي فهو انتظار غير مبرر، إذ كان من الأولى عدم مراقبة الحدث، والهرب قبل وقوع الانفجار. سبب انتظارك هو غياب السبب نفسه، أي غياب رؤية الحريق، فأنت تنتظر رؤية الحريق لتهرب «بسبب»، لا أن تهرب قبل الحريق فيراك الناس هاربًا «بلا سبب». السبب يحرك قرارات الإنسان، و«مع غياب السبب، يحل القضاء».

 


من أنت؟ أجب وقل: «أنا كذا وأنا كذا وأنا كذا». ربما تقول: «أنا طبيب، أنا 30 سنة، أنا متزوج»، وهذه «أوصاف» (descriptions)، أي أنك إما تكون طبيبًا أو لا تكون، فلا يوجد نصف طبيب. أما إن قلت: «أنا محبوب، أنا كريم، أنا سيء»، فهذه «تقييمات» (evaluations)، وهي متدرجة ونسبية، فأنت محبوب بنسبة وكريم بنسبة.

راقب أين ذهب عقلك: هل اتجه إلى الأوصاف أم التقييمات؟ جرّب الآن أن تملأ الفراغات وتقول: «أنا لستُ كذا وأنا لستُ كذا وأنا لستُ كذا»، وستجد عقلك يميل إلى ملء الفراغ بالأحكام والتقييمات النسبية، لا بالأوصاف والحقائق الإطلاقية. إن النفي يميل لنفي الحكم لا الحقيقة، بينما الإثبات يميل إلى كليهما، فماذا نتعلم هنا؟ يتبع.

 


نتعلم مما سبق أن «المقارنة بالآخرين قد تدفعك إلى التقييمات أكثر مما تدفعك إلى الحقائق». حين تقارن نفسك كمعلم بزميل حصل على علاوة مادية، فلن يقول عقلك «أنا معلم» (= وهي حقيقة مطلقة وثابتة)، بل سيقول «أنا لستُ مستحقًا لعلاوة مادية كزميلي» (= وهذا تقييم نسبي، فالاستحقاق ذو نسبة متدرجة). إن المقارنة تنفي أكثر مما تثبت.

إن المقارنة بالآخرين تدفعك إلى النفي غالبًا: أنا لستُ كفلان مستحقًا، أنا لستُ كفلان مشهورًا، أنا لستُ كفلان ثريًا، وجميعها أحكام متدرجة ذات نسب متغيرة، لا حقائق مطلقة وثوابت قاطعة. وعلى ذلك، احذر أثناء المقارنة من عبارة «أنا لستُ كذا» واختر عبارة «أنا كذا». قل «أنا معلم»، فربما بذلك تفخر بنفسك كونك تفخر بالحقيقة المطلقة!

 


هل تريد أن تطبق عملية  «الحضور الذهني» (mindfulness) وبطريقة مبسطة؟ فقط أضف عبارة «جاءتني فكرة تقول» أمام كل فكرة تمر بدماغك. جرب هذا التمرين: خذ مسبحة وعد 99 فكرة تمر بعقلك الآن وارفع صوتك: «جاءتني فكرة تقول بأني سأفشل في مشروعي»، «جاءتني فكرة تقول بأني إنسان ناجح»، وهكذا 99 فكرة.

جربها لخمس دقائق. ثم كرر العملية خمس دقائق أخرى مساءً: خذ المسبحة واحسب 99 فكرة عفوية تمر بخاطرك وقل بصوت عال: «جاءتني فكرة تقول بأني محبوب»، «جاءتني فكرة تقول بأني سأنسى الواجب». كرر العملية لأسبوع إلى أن يصبح عقلك يُفرز تلقائيًا عبارة «جاءتني فكرة تقول» أمام كل فكرة تمر بذهنك. ما الفائدة؟ يُتبع.

 


إن لفصل ذاتك عن أفكارك فائدة كبرى، يأتي على رأسها «تقليل القلق والتوتر»، والفائدة الأهم هي: «اختيار ردة الفعل اللائقة بالفكرة». حين تفكر «أنا غير محبوب»، ستضطرب رؤيتك، وتختلف ردة فعلك، وستقلق وتتوتر متسائلًا عما تصنع تجاهها؟ إنك لا ترى بوضوح هنا، وستتخذ في ضوء ذلك قرارات غير محسوبة وردات فعل غير مدروسة.

في المقابل ومع التمرين المكثف، ستجد عقلك ينتج الأفكار تلقائيًا ومع مقدمة  «جاءتني فكرة تقول». ستجده تلقائيًا يقول: «جاءتني فكرة تقول بأني غير محبوب»، وهنا ستنتبه وتتضح رؤيتك وتختلف ردة فعلك. ستلاحظ بأنها مجرد فكرة لا حقيقة، فكرة تستحق أن تتقبلها وتتأملها، ولكن دون جدل معها يستنزف طاقتك، وبلا أحكام عليها تزيد إعاقتك.

 


ما أسوأ ما تقوم به أثناء تدريب عقلك؟ «أن تستبدل عبارات عقلك السلبية بعبارات إيجابية». مثلًا، تقول في نفسك «أنا فاشل» فترد على نفسك مباشرة بعبارة «أنا ناجح». تقول في نفسك «أنا قبيح» فترد بـ«أنا جميل». إنك بهذا تصنع ارتباطات تقول بأن «أنا فاشل = أنا ناجح» و«أنا قبيح = أنا جميل»، وكما هو معلوم فإن رمز (=) يؤكد الصحة العكسية.

كيف؟ إذا كانت عبارة «أنا فاشل» تساوي عبارة «أنا ناجح»، فإن عبارة «أنا ناجح» تساوي عبارة «أنا فاشل»، فعلامة (=) تؤكد التطابق، وبهذا تقول «أنا فاشل» حين تقول «أنا ناجح». إنه نفس حال (2 = 2)! فـ(2) الأولى ليست أفضل وأكبر من الـ(2) الأخرى، ولا العكس. ما الحل؟ لا تدرب عقلك بالاستبدال ولكن بالإضافة. يتبع.

 


خذها قاعدة: «تدريب عقلك بالإضافة خيرٌ من تدريبه بالاستبدال». بدلًا من أن ترد على عبارة «أنا فاشل» بعبارة «أنا ناجح» وبصورة أوتوماتيكية تلقائية، فتصبح «أنا فاشل = أنا ناجح»، وتصبح «أنا ناجح» في ضوء هذه المعادلة مطابقة ومذكّرة لك بـ  «أنا فاشل»، جرب الإضافة! أضف كلمة «وناجح» إلى عبارة «أنا فاشل»، فبهذا تحيّد الفكرة!

لا ترد على «أنا فاشل» بـ «أنا ناجح»، ولكن ردّ بـ «أنا فاشل وناجح» (فبذلك تتقبل فترات النجاح والفشل وتُقر بوجود فترات فشل ونجاح). لا ترد على «أنا قبيح» بـ «أنا جميل»، ولكن رد وقل: «أنا قبيح + جميل» لتنتبه بأنك لستَ قبيحًا ولا جميلًا، بل مقبولًا. «إن الاتزان النفسي يأتي مع الاتزان اللغوي»، فلا ميول إلى السلب ولا إلى الإيجاب!

 


ما أهم ما ينبغي عليك تذكره حين تتحدث مع شخص يشكي إليك حاله؟ أن تتذكر أن تطرح عليه أسئلة «كم نسبة كذا؟». يأتيك ابنك فيقول «أشعر بأني غير محبوب»، وهنا تسأله مباشرة: «كم نسبة شعورك بأنك غير محبوب؟»! قد يقول «40%»، وهنا سينتبه تلقائيًا بأن شعوره السابق لم يكن 100%، فثمة نسبة 60% تخبره بأنه محبوب!

اسأل نفسك الآن: «كم نسبة قبول الناس لك؟»، «كم نسبة توقعك بأن المستقبل قد يكون سيئًا؟»، «كم نسبة ندمك على الماضي؟»، «كم نسبة قناعتك بالحاضر؟»، «كم نسبة شكك في الآخرين؟»، «كم نسبة كلام الآخرين عنك؟». لا تنسَ سؤال «كم نسبة كذا؟»، فالرياضيات تقود حياتك وتضبطها بدقة متناهية تفوق دقة عقلك الخيالي اللارياضي!

 


حين نتأمل مرادفات كلمة «عقل»، سنجد منها «العقل» و«الذهن» و«الإدراك» إلخ، وكأنما لكل مرادفٍ منها وظيفةٌ خاصةٌ بها. فالعقلُ من جذر «عَقَلَ» أي «رَبَطَ» (يُقال: عقلتُ الناقة أي ربطتها بعقال، والعقال الأسود يربط أيضا الشماغ)، وكأنما «وظيفة العقل الاهتمام بشؤون الماضي»، فهو يربط الذكريات والأحداث التي مضت، فلا تفلت منه!

أما الذهن، فكلمةٌ تذكرنا بالذُهان والسرحان، (يُقال: ذَهَنَ فلان، أي سَرَحَ، فهو ذاهن)، وعليه يُمكن القول بأن «وظيفة الذهن الاهتمام بشؤون المستقبل»، وكأنما المرءُ يسرح بذهنه وخياله إلى مستقبله! أما «الإدراك»، فمن جذر «أدرَكَ»، أي «لَحِقَ وأمسَكَ» فـ «وظيفة الإدراك الاهتمامُ بشؤون الحاضر»، فكل ما تمسكه بعقلك الآن فهو حاضر.

 


خذها قاعدة: «تقريب وجهات النظر أهم من احترامها». إنها قاعدة هامة لمن أراد الإصلاح بين الناس. فالخلافات عمومًا تحدث بسبب تعارض الآراء والوجهات، ففلان يرى «كذا وكذا» وعلّان يرى «كيت وكيت». لا تحاول احترام وجهة نظر كلٍ منها فيتعمق الخلاف بينهما! حاول أن تقرّب وجهة نظر أحدهما من وجهة نظر الآخر ليتفقا.

أنا مع «التعليم الإلكتروني»، بينما أنت مع «التعليم التقليدي». لنقرب وجهات نظرنا، ونقول بأننا نريد تحسين «العملية التعليمية». حين تتقارب وجهات النظر يقل الخلاف. سننسى الوسيلة والطريقة ونهتم بالغاية (= التعليم). في أي خلاف مع أحد، لا تحترم وجهة نظره، ولكن اسعَ لتقريبها لتكون قريبة جدًا من وجهة نظرك، وسيتفق معك.

 


هل تتحداني أن أخبرك فيما تفكر فيه الآن؟ إنني أعرف ما أشغلك ذهنيًا الآن وهذا أمر مفاجئ لك، أليس كذلك؟ إنك الآن تفكر في نفس الشيء الذي يشغل تفكير أخيك، وأخوك يفكر في نفس الشيء الذي يشغل تفكير زميلك، وزميلك يفكر في نفس الشيء الذي استحوذ على ذهن عامل النظافة! هل يعقل أنكم تنشغلون ذهنيًا بنفس الشيء والآن؟

نعم، إن كنتم منشغلين ذهنيًا الآن فقط إن كنتم منشغلين ذهنيًا ولستم نياما فإنكم منشغلون ذهنيًا بشيءٍ تتمنون تحصيله أو بشيءٍ تخافون فقدانه. خذها قاعدة: بوصلة قلبك لا تتجه نحو الشمال، تتجه إلى ما تخاف فقدانه أو ما تود تحصيله. لا يمكن أن تفكر في خلاف النقص. إنك لا ترى الامتلاء يا صاح. إنك ترى الناقص، يا ........!


 


خذها نصيحة: «اقرع رأسك، فدماغك يفتح أبوابه حين تُدمن القرع». هل رأيت شخصًا يجلس على طاولة وينقر عليها وهو يفكر؟! إنه باختصار يقرع أبواب عقله ليجد الفكرة التي غابت عنه. هل رأيت شخصًا يضرب على جبهته أو على رأسه حين ينسى؟! إنه يقرع جمجمته قرعًا يشبه قرعه على الأبواب، لربما يفتح رأسه الباب فيتذكر ما نسي.

هل رأيت شخصًا حين ينسى - يضم إبهامه بالأصبع الأوسط ثم يفرقع به ويكرر وكأنما يريد لفت انتباه كلب أليف؟ إنه يستدعي فكرة أبو كلب نسيها. إشارات تؤكد بأن بعض الأفكار لا تظهر إلا بالنقر أو الفرقعة، وكأنما الذهن يعمل بموسيقى كونية من نوعٍ ما. انقر حين تروم الانتباه والاستذكار، فرقع حين تروم الإبداع والابتكار.

 


لو رأيت سيارة من بعيد لا تعرف الشركة التي صنعتها، فتذكر بأن كونها سيارة BMW أو سيارة أخرى لن يغير من «حقيقتها» شيئًا. إن دور الأوصاف هو تحريك الأحكام عن شيء موجود، ولكنَّ حقيقة ذلك الشيء الموجود لا تتغير بما يحكم عليه. «الحقيقة» (truth) تتمثل في الشيء الموجود مجردًا من الأحكام التي تُظهرها المقارنة مع غيره.

إن كونها سيارة جيدة لن يغير من «حقيقتها» شيئًا. الأحكام لا تغير من حقيقة السيارة شيئًا، ستظل «سيارة». وهكذا انظر لنفسك، ستظل «إنسانًا» بصرف النظر عن أوصافك. وهكذا انظر لتجاربك، ستظل تجارب بعيدًا عن أحكامك. انتبه لهذا جيدًا: «الحقيقة ليست الأحكام. الحقيقة هي الشيء مجردًا من الأحكام». فهل عرفت حقيقتك؟!

 


خذها قاعدة: «النية هي الفيصل في الحكم القضائي». فكثير من الحالات لا يستطيع القاضي الفصل فيها، إلا بمعرفة «نية» الجاني. هل الجاني سحب الرجل لينقذه أم ليدفعه في النار؟ النية هي الفيصل هنا، فإن كانت سيئة حوكم، وإن حسنة عُفي عنه. يؤكد ذلك قصة أبي حنيفة مع تلميذه أبي يوسف حين اغتر بعلمه واعتزل بتلامذته.

فقد أرسل أبو حنيفة لأبي يوسف يختبره عن خياط أعطاه رجل قميصًا ليقصّره، فلما عاد الرجل ليأخذ قميصه جحده الخياط، ثم أقر الخياط بخطأه فهل يُعطى الخياط أجرة على تقصير الثوب أم لا؟ لم يجب أبو يوسف فأجاب أبو حنيفة: إن كان الخياط قصره على طوله هو، فقد نوى سرقته قبل التقصير فليس له أجرة. وإن قصّره على الرجل، فله أجرة.  

 


خذها قاعدة: «هناك من يفعل ما يريد، وهناك من لا يفعل ما يريد، وهناك من يفعل ما لا يريد، وهناك من لا يفعل ما لا يريد». إنها أربع مواقف، الأسلم فيها اثنان والأغرب اثنان. فمن يفعل ما يريد ليس شخصًا غريبًا، ومن لا يفعل ما لا يريد (أي يرفض ما لا يريد) فليس شخصًا غريبًا أيضا. الغريب من يفعل ما لا يريد ومن لا يفعل ما يريد.

اسأل نفسك: ما الذي أريده وأتردد في فعله؟ ثم اسأل نفسك: مالذي لا أريده وأتردد في تركه؟ بعد أن تحدد هذين الأمرين، اجلس مع نفسك جلسة هادئة وابحث عن الجواب لما يلي: لماذا أتردد في فعل ما أريد؟ ولماذا أتردد في ترك ما لا أريد؟ لابد من تسوية هذين السؤالين الإشكاليَين، لتصبح شخصًا سويًا: تفعل ما تريد، وتترك ما لا تريد.