‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ وجغرافيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ وجغرافيا. إظهار كافة الرسائل

 


في محنة خلق القرآن، تقول القصة أن المأمون لما تولّى الخلافة أحاط نفسه بعلماء المعتزلة وتأثر بهم وقال بخلق القرآن ثم حمل علماء السلف على تبني فكرة الخلق، فقاومها الإمام أحمد حتى انتصر بالمناظرة. وفي هذه القصة أمران للتفكير. الأول، هل أجبر المأمون العلماء على الفكرة بعد مناظرة أم لا؟ أظنه أجبرهم بعد مناظرة ولكن العلماء لم يحسنوا الرد.

أحسنوا الرد، فقط بعد انعزالهم في السجن، فقد كان «السجن» نعمة في التفكير في الردود المناسبة للجولات القادمة. الآخر أن الناس لا يذكرون إلا ثبات الإمام أحمد، ونسوا ثبات محمد بن نوح حتى الموت، ويوسف البويطي حتى مات في أصفاده، ونعيم بن حماد حتى مات في سجن الواثق، وهذا يخبرنا كيف أن «التاريخ لا ينصف جميع الأبطال».

 


ماذا سيحدث بعد خمس إلى عشر سنين من الآن؟ عودة «العبودية» (slavery). ستعود العبودية لأنه سيندر المال، وسيكون حكرًا على رجال الأعمال. سيبحث الناس عمن يوظفهم لزيادة أموالهم، ولن يجدوا، فأدوات الذكاء تقوم بكل شيء. فماذا سيحدث؟ ستبدأ العروض وقد بدأت فعليًا في بيع الجسد مجانًا ولأجل المال فقط!

فرغم أن الروبوتات ستوفر الكثير من الأطعمة والمشروبات، إلا أن ثمة كماليات ستظل متاحة مع دنوّ أفول عصر التاريخ الاستهلاكي. ستظل متاحة للبيع، وسيبيع الناس أنفسهم عبيدًا لأهل المال، لإيجاد ما يمكّنهم من شراء تلك الكماليات. هذا بالضبط ما سيحدث، فالعبودية تترعرع مع تدني الوفرة المالية، وستكون العروض المقدمة تاريخية!  

 


خذها قاعدة: «الحياة معركةٌ وجهاد». وهذا الكلام ليس تسويقيًا استهلاكيًا لإرضاء الأنفس المرهقة، ولكنه يمثل الحقيقة الفاقعة. فالصراع من أجل البقاء صراعٌ يقع في قلب الحياة، فلا حياة لمن لا يصارع. فحظك من كونك لم تعش زمن الجاهلية حيث ستُدفع فيها إلى النزال والحروب بالسيوف اضطرارًا لا يلغي حظك من خوض معركة مختلفة.

فلإنسان العصر معركة مستقلة يتردد في خوضها كما كان يتردد الجاهلي القديم في خوض معركته. استشعر ذلك حين تنسحب من مشاكل ومعارك الحياة، وتذكر ألا تغتر بدراستك وقراءتك، فقد فشلتَ حقًا في التطبيق، ولم يستحل علمك سلاحًا تذود به عن نفسك. ثمة معركة بل معارك تواجهها كل يوم، ولابد أيها الإنسان أن تخوض المعارك.

 


دعونا نتأمل أقوال موسى عليه السلام في القرآن. فقد قال في بداياته «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»، فأقر بأنه فقير جسديًا ونفسيًا ولغويًا، وبدأ في طلب الله قائلًا «عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ» فاستخدم «عسى» راجيًا لا حاسمًا. ثم بدأ يدعو لاكتساب الثلاثية السابقة: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي».

فشراحة الصدر تقوي النفس، وتيسير الأمر تعين الجسد، وإحلال العقد تُطلق اللسان. فحين جمعها، أخذ بالسبب فطلب وزيرًا أرضيًا «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي»، وخليلًا سماويًا «إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ». وتأمل «إنّ» التوكيدية اليقينية على لسانه المنطلق وقد كان يقول «عسى» الرجائية المترددة. بتقوية نفسه وجسده ولسانه، حقق هدفه ونال رضى ربه.  

 


لابد أنك سمعت بقصة الحمّار الذي استحال خليفة. إنه محمد بن أبي عامر، فقد كان حمّارًا يعمل على حمار وينقل البضائع، وجلس ذات ليلة مع صاحبيه فقال لهما «ماذا تريدان مني إن أنا أصبحتُ خليفة»، فطلبه أحدهم مالًا وضياعًا، وسخر به الآخر قائلًا «إن غدوتَ خليفة فأركبني حمارًا وأدر وجهي، وشهّر بي في الأسواق، وقل هذا دجال!».

فصار ابن أبي عامر خليفةً بعد سنوات فأجزل العطاء لصحابه الأول، وعاقب الثاني بأن أركبه حمارًا وشهر به.  والقصة متداولة، والغريب فيها أن الناس تتذاكرها لتأكيد علو الهمة، مع أنها قصة غارقة في الخسة والنذالة. فقد قام بسحب السلطة من الخليفة الطفل بعد أن تزوج أمه واستأمنته على حفظ حقوق طفلها! نعم، إنّها، علو، همة، الخائنين!

 


هل تعرف الفرق بين «علم التاريخ» (History) و«علم الآثار» (Archaeology)؟ باختصار، علم التاريخ هو «كل ما كتبه وقاله الإنسان» فهو نص وقول، وعلم الآثار هو «كل ما صنعه وتركه الإنسان» فهو أثر وتَرِكة. نعم، إن كل التاريخ الذي تسمع به هو مجرد نصوص مكتوبة أو تسجيلات منطوقة، فلا يوجد تاريخ خارج المقال والمقول.

مع ذلك، فعلم الآثار يخبرنا عن دقة نصوص التاريخ، ونصوص التاريخ تخبرنا عن مواقع الآثار. كما أن علم التاريخ يخبرنا عن الآثار المدمرة المحطمة لنبحث عنها، بينما يخبرنا علم الآثار عن النصوص الناقصة التاريخية ليُكملها. ولكن انتبه: «التاريخ مجرد نص وقول»، هل أنت منتبه بأنك تمر الآن من أمام فكرة مهمة وكبيرة لا تتأملها جيدًا؟!

 


تخيل بأنك تسير في صحراء في زمن الجاهلية، تحس بالظمأ والعطش، وتستشعر شدة المجاعة ونير الفاقة، وفجأة ترى رجلًا سمينًا! ماذا ستقول؟ ستقول: هذا ذو نفوذ ونقود، وذو جاه ورفاه، وإلا لما سمن! نعم، لقد كان السمين رمزة القوة في العهد القديم. أما اليوم فقد صار طويل القامة رمز القوة والمهابة لا يستطيع السمين إزاحته عن مكانه.

لقد لاحظ النبي ﷺ مهابة السمين والتفاف الناس حوله في عهده، فقال «إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة، اقرأوا: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا». لقد أحدث النبي بقوله «تحولًا براديميًا» (paradigm shift) في القيمة الإنسانية، ساحبًا قيمة السمين معطيًا إياها للتقي الأمين مؤكدًا «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».

 


ما هي «متلازمة ستوكهولم» (Stockholm syndrome)؟ إنها متلازمة أو عقدة تشير إلى «تعاطف الضحية مع المجرم»، وقد سميت بعقدة ستوكهولم لأنها ارتبطت بمدينة ستوكهولم في السويد حيث سطا لصوص على بنك كريديتبانكين واتخذوا موظفي البنك رهائن لستة أيام، وبعد إنقاذ الرهائن، أعلن الرهان تعاطفهم مع الجناة!

مع ذا، فإني أرى «عقدة باراباس» أليق بتوصيفها! فبما أن علماء النفس يفضلون بالعادة شخصيات التاريخ مبتكرين «عقدة أوديب» (نسبةً للأسطورة اليونانية أوديب)، فلنقل «عقدة باراباس»! فحين خيّر الملك شعب اليهود بين إنقاذ المسيح المسالم أو إنقاذ قاطع الطريق باراباس، هتفوا جميعًا «باراباس، باراباس»، مفضلين المجرم على المسلم!

 


أشار الكاتب بصحيفة المدينة محسن السهيمي إلى أسلوب بلاغي في سورة يوسف يذكر فيه بأن إخوة يوسف حين اُتهم أخوهم الأصغر بالسرقة، «قَالَ كَبِيرُهُمْ... ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ...وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ» كل هذا يحدث في مصر. فجأة انتقل المشهد إلى الشام «قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ».

لقد قفز النص على المكان والزمان إلى رد يعقوب. وأظنه «التخلّص»، وهو أسلوب متقدم لا نجده حتى عند كبار الروائيين. لا نجد روائيًا يكتب مثلًا «قال لزوجته الثانية: سأخبر زوجتي الأولى بأني سافرت لعمل وستصدقني. (لن أصدقك) هكذا ردت الزوجة الأولى»، فيُفاجئ القارئ بالزوجة الأولى وهي تصعد فجأة خشبة المسرح/المشهد.

 


مر رجلٌ من قبيلة ثمالة على أبيّ بن خلف، فاشترى منه أبيٌّ سلعة ولم يُعطه ماله، فاشتكى الرجل إلى قريش وقد كانوا في «حلف الفضول»، فقالوا له: ارجع إلى أبيّ بن خلف فأخبره بأنك قد أتيتنا، فإن أعطاك حقك وإلا فارجع إلينا. فرجع الرجل إلى أبيّ فقال له: قد أتيت قومك فقالوا لي أن أذهب إليك فأخبرك بأني أتيتهم! فأعطاه أبيّ حقه كاملًا.

ماذا نتعلم من هذه القصة؟ نتعلم بأن «الإشارة تنوب عن العبارة». لقد طلبت قريش من الرجل الثمالي أن يخبر أبيّ بن خلف بأنه أتاهم فقط. قالوا: «اذهب وأخبره بأنك أتيتنا!»، لا تطلبه شيئًا، فقط قل أنك أتيتنا. فلما علم أبيّ بذلك، وصلته الرسالة. احفظ هذا أيها المدير وقل: أخبروا ذلك الموظف المشاغب بأنكم فقط أتيتموني وأخبرتموني بالقصة!

 


خذها قاعدة: «لا نوع جديد إلا بانقراض نوع قديم». إنها فكرة «الانقراض» (Extinction)  في علم الأحياء. فعملية الانقراض تحدث فقط لتوفير مساحة لنوع جديد قادم. هل تقرأ خبرًا صحفيًا يقول «اكتشاف حيوان غريب في غابات الأمازون، أو اكتشاف نوع من الأسماك في أعماق المحيط الهادي»! ركز هنا قليلًا، أرجوك ركز:

إنك لا ترى نوعًا قديمًا للتو اكتشفه العلماء بل ربما ترى نوعًا جديدًا ظهر فجأة على الأرض دون أن تشعر. الديناصور انقرض ليظهر الليمور، وإنسان النياندرتال انقرض لنظهر نحن، وسننقرض ليظهر نوع بشري آخر. إن «المساحة» (space) ليست مهمة فقط في الرياضيات والفيزياء، بل في علم الأحياء أيضًا. «لن يظهر نوع حتى يجد المساحة».

 


يأمر عنترة محبوبته عبلة بأن تمدحه وتثني عليه قائلًا: «أثني عليَّ بما علمتِ فإنني، سهلٌ مخالقتي إذا لم أُظلمِ؛ فإذا ظُلمتُ فإنَّ ظلميَ باسلٌ، مرٌّ مذاقته كطعم العلقمِ». لقد طالب عنترة هنا حبيبته بالثناء، واختص منه «الثناء بما تعلم» (فالثناء بما تعلم أهم عنده من المجاملة بما لا تعلم)، مشيرًا إلى أن «من الظلم ألا يمدح الإنسان صاحبه بما يعلم عنه».

نعم، إن عنترة يحذر عبلة من أن تظلمه بعدم مدحها له بما تعلم عنه، فإن ظلمته فسيظلمها هو بظلمٍ مرٍّ مذاقته كطعمِ العلقم. فماذا نتعلم هنا؟ نتعلم أن نكون كعنترة الشجاع، فشجاعته لم تمنعه من طلب الثناء، بل قد يكون الثناء سببًا في شجاعته. نتعلم أن نطلب من زوجاتنا المديح المباشر، فليس عيبًا أن نطلبه، ولن نكون في «عدم طلبه» خيرًا من عنترة.

 


ماذا تعرف عن عبدالله بن أبيّ ابن سلول (وللنحاة بالمناسبة كلام عن كلمتي «بن» و«ابن» في اسمه وسبب تغير كتابتهما)؟ ربما تعرف بأنه انسحب بثلث العسكر في غزوة أحد (أي بـ300 مقاتل)، قائلًا: «ما ندري فيما نقتل أنفسنا؟». وقد قال ذلك لأنه كان رئيس المدينة وسيّدها، فخشي على قومه من القتل في سبيل قضية مهاجرين من أهل مكة.

حين تعرف قصة هذا الانسحاب في السنة الثانية هجريًا، ستفهم لماذا طالب النبي ﷺ وأصر على عقد «بيعة الرضوان» (= اتفاقية الرضوان) في السنة السادسة. لقد كان هدفه «ألا ينسحب أحد»! نتعلم من هذا أن نطالب باتفاقية قبل الحرب كيلا يخذلنا الناس. لا تثق بدعم الحشود ما لم يوقعوا معك العقود، «فالمكتوب يُلزم أكثر من المنطوق».

 


ما العملية السياسية في عصر الجاهلية والتي تشبه المناظرات السياسية في السباق الرئاسي؟ «المنافرة»! فالمنافرة هي المجادلة أيّ الرجلين أحق بالسلطة السياسية، ففيها من التحريك والتنفير، كما في «السباق الرئاسي» (Presidential Race) من التجييش والتعبئة، وخير ما يثبت صحة هذا الزعم قصة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة.

فاقرأ قصتهما، فقد اختلفا على السؤدد، فاتفقا على المنافرة، فاحتج كلٌ منهما أمام الناس بمبررات أحقيته بالرئاسة، وكأنما يقدمان برنامجًا انتخابيًا، ثم قدّما برنامجهما أخيرًا أمام هرم بن سنان كـ «ضابط للمناظرة» فلم ينفّر أحدهما على صاحبه، ووصفهما كـ «ركبتي البعير»، أي متساويين في القدر والقامة. إذن، «المنافرة» هي بالضبط «السباق الرئاسي».

 


ما هي «الآثار»؟ الآثار هي الممتلكات التي يخلّفها الإنسان وراءه بعد مماته. وبناءً على هذا التعريف، يمكننا أن نغيّر ونوسّع من فهمنا لنصيحة دعاة تطوير الذات المتكررة: «اترك أثرًا بعدك». فحين نسمع قولهم «اترك أثرًا بعدك»، نفكر مباشرة على أن المعنى أن نترك كتابًا نؤلّفه بأيدينا، أو نترك مقطعًا فيديويًا مفيدًا ننشره على مواقعنا!

مع ذلك، وبما أن الآثار هي الممتلكات التي يخلّفها الآخرون وراءهم، فيمكننا أن نترك آثارًا وراءنا لم نصنعها نحن بأنفسنا، كأن تترك ملابسك وكتبك وأشرطتك ومجلاتك وغرفتك كمتحف، فيُقال: «هذه آثار فلان». إذن، «اترك أثرًا» قد تعني أمرين: اترك شيئًا تصنعه أنت بنفسك، أو اترك شيئًا قيمًّا اقتنيته أنت واشتريته ليبقى أثرًا لمن سيأتي بعدك.  

 


ما أقدم الأنشطة الإنسانية وأشدها إثارة؟ «الكشوف الجغرافية». لقد كانت الكشوف الجغرافية نشاطًا إنسانيًا عظيمًا، يسافر الرحالة فيها ليكشف منطقة جديدة لم يرها أحد من قبل، واشتهر فيها الملوك والعلماء، فقد كان الألكسندر المقدوني ورجاله يسافرون لاستكشاف الأراضي البعيدة، وكذلك فعل ابن بطوطة وغيره كثيرون!

فماذا حدث بعد زمن؟ أُلغيت هذه الفقرة من التاريخ مع (Google Earth). فلتتأمل لخمس دقائق، كيف أن هذه الكشوف كانت فقرة جميلة وهامة وعظيمة من تاريخنا البشري وتم إزاحتها بالكامل؛ لقد أُزيحت رغم جمالها، فاستشعر موقعك الحائر بين تبدلات زمن كبرى لم يتوقعها الأجداد، ولا تدري كيف سيتعامل معها الأحفاد؟

 


خرج المؤرخ الغبّان مؤخرًا ليؤكد لنا بأن «اليمن ليس أصل العرب»، مؤكدًا بأن الجزيرة كانت مليئة بالأعراب، لا اليمن وحدها. وأخالفه في هذا لأن العرب ثقافة جمعتهم لغة موحدة. ولكونها لغة، فهي تتطلب ثقافة عالية وتعليم مستمر لا يمكن أن يتخلّق إلا في حواضر ثقافية مأهولة بسكان كثر، فلا يستطيعه أعراب قلّة انعزلوا في صحراء قاحلة.

فالسؤال ليس عن انتشار العرب السكاني فالأرض مأهولة بطبعها، بل عن الكثافة السكانية، فرحلتا الشتاء والصيف (والجزيرة مجرد صيف وشتاء) تؤكد بأن كثافة السكان كانت للشام واليمن ولهذا كثرت فيهما الأسواق. والأسواق عمومًا لا تكون إلا في حضارات كبرى قادرة على تشكيل الأصول الثقافية وقادرة على اجتذاب الأموال التجارية.

 


قلنا بأن البخاري ينقل  بعض أحاديثه من مخطوطات ذات أحرف غير منقوطة وقد وجدتُ كلماتٍ جديدة أرى بأنها ربما أُسِيء قراءتها لأنها غير منقوطة، ومع ذلك لم يتم استدراكها بوضع احتمالات لها. منها مثلًا حديث: «كان داود يقرأ القرآن قبل أن (تُسرَج) دوابه»، فلم يذكر البخاري هنا  «تُسرج أو تَسرَح» وكلاهما محتملان.

وحديث «إذا هم بقترةِ الجيش»، فلم يذكر «بغبرة» وهي محتملة أيضا. وكذلك قول الراوي: «فغطّوا وجوههم يبكون ولهم (خنين)» وقد تكون «حنين» (كما تحنّ الناقة). وحديث «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحّاءُ الليل والنهار» (فلم يذكر البخاري: سخّاء وهي أقرب) وقوله «أنه رأى رجلًا يخذف (أي يحذف)» وكرر الخذف ثلاث مرات مع أنها قد تكون «يحذف».

 


ما أشهر عبارة تاريخية تؤكد استبداد البرجواز ضد طبقة العمال؟ عبارة «ليأكلوا الكيك»! وهي عبارة وردت على لسان ملكة فرنسا، ماري أنطونيت، إبان اشتعال الثورة الفرنسية. فقد أخبرها الوزراء بأن المزارعين في حالة رثة وصعبة ولم يعدوا يجدون «خبزًا» لأكله، فقالت: «دعهم يأكلون الكيك» (Qu'ils mangent de la brioche).

وهذا الرد فيه مبالغة كبيرة، فإذا كان المزارعون لا يجدون الخبز، فكيف سيجدون الكيك وهو الأغلى والألذ! فما الذي يشبه هذا القول في ثقافتنا؟ قولنا «خله يبلط البحر»! وثمة فرق بالمناسبة بين «خله يشرب موية البحر» (= مهمة سهلة تقال لمن يعجز عن إيجاد شيء يشربه) و«خله يبلط البحر» (= مهمة صعبة تقال لمن يتوعد بشيء كبير سيفعله).

 


ما الحقيقية التاريخية الفاقعة في مسألة التغيير؟ «أن كل تغيير لا يحدث فجأة، بل يحدث بالتدريج». فحين نشأت ثورة «تحرير العبيد» في أمريكا، انتشرت شيئًا فشيئًا في أوروبا، ثم انتقلت إلى جميع أرجاء العالم حتى تم تحرير جميع العبيد. باختصار، في أول سنوات الثورة الأمريكية لم يتحرر العبيد جميعًا، بل حُرِّروا تدريجيًا، فهكذا يحدث التغيير.

كذلك الديمقراطية لم تنتشر في العالم فجأة، بل أخذت سنوات حتى انتشرت على ظهر الدبابات. والثورات الإصلاحية أيضا لم تنتشر فجأة، بل دخلت دولة ثم دولة أخرى وهكذا حتى استبدت. إذن، فكرة النسوية والتحول الجنسي وخلافها من أفكار غربية غريبة ستنتشر في العالم بالتدريج، فـ «غيابها اليوم عنّا لا يعني للأسف بأنها لن تصلنا».