‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافات الشعوب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافات الشعوب. إظهار كافة الرسائل

 


ما الذي يميّز المتصوفة عن غيرهم؟ أنهم جعلوا «حب الله» إطارًا عامًا يدخل فيه الخوف منه (كأدب واحترام للمحبوب)، ولم يجعلوا «خوف الله» إطارًا عامًا يدخل فيه الحب (كتقرب وتزلف إليه زُلفى). إن الخوف من الله لا يبرر حبه، ولكن حب الله يبرر الخوف منه. وفكر مع نفسك: هل تحب شخصًا يخيفك، أم تخاف شخصًا تحبه؟!

أن تخاف من شيء وفي نفس الوقت تحبه لا يجتمعان، إذ كيف تخاف من عدوك وتحبه وأنت في الأصل تخافه؟ أما أن تحب شيئًا وتخاف منه، فيجتمعان، إذ يسهل أن تحب شخصًا وتخاف من فقدان صلتك به. إن وضع الحب كأطار عام يدخل فيه الخوف كأدب واحترام أولى من وضع الخوف كإطار عام يدخل فيه الحب كتزلف واقتراب. يتبع.

 


والسؤال هل ثمة دليل أن حب الله أولى من الخوف منه؟ نعم، قول الله «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ»، فقد وصف الله الذين آمنوا بأنهم أشد حبًا له لا خوفًا منه. بل أن من يلغي الحب ويبدأ بالخوف يعرض نفسه للاستبدال، فالله يقول للذين آمنوا وارتدوا «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ»، فالله لن يأتي بأي قوم، بل بقوم يحبهم ويحبونه، فالعلاقة حب.

كما يقول الله «ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى (أحبه) فإذا (أحببته) كنت بصره الذي يبصر به، إلخ»، وحديث البخاري «إذا أحب الله عبدًا نادى في السماء: إني أحب فلانًا فأحبوه، إلخ»، ولك أن تلاحظ أن كل الكلام عن علاقات الحب. لذلك كان دعاء النبي ﷺ «اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عملٍ يقربني إلى حبك».

 


خذها قاعدة: «لن تعرف غرضك ومعناك، حتى تعرف منتهاك ومبداك». إن كل المحاولات لإيجاد معنى الحياة لن تكون سديدة حتى يتيقّن الإنسان أولًا من بدايته (من أين أتى؟) ونهايته (إلى حيث سيصير؟) ويتيقن من مطلعه (من أين نشأ وطلع؟) ومقطعه (إلى أين سينتهي وينقطع؟) ويدرك يقينًا أصله (منشأه في الدنيا) وفصله (انفصاله عنها).

نعم، لابد أن تعرف الساس (الأصل) والراس (الفصل) لتجزم بمعنى حياتك وغرض وجودك. وبما أن المؤمنين والملحدين اختلفوا ولا يزالون على البداية (خلق أم تطور) والنهاية (آخرة أم عدم)، وبما أن معطيات الأصل والفصل لا تزال تحت الجدل، فلن تبلغ سبب الوجود وداعي القدوم. فمعرفة المبدأ والمنتهى شرطٌ أساسي لمعرفة المعنى.

 


عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال: «إن هذا الليل والنهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. فالأيام خزائنُ للناس، ممتلئةٌ بما خزنوه فيها من خيرٍ وشر. وفي يوم القيامة، تُفتح هذه الخزائن لأهلها، فالمتقون يجدون في خزائنهم العزة والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والندامة». تأمل التوصيف، فما الأيام إلا خزائن وحصّالات!

إن الأمر يشبه الحصّالة التي تضع فيها المال، لتكسرها بعد التمام، فترى ما أودعته فيها، وأظن هذا القول هو ما جعل ستيفن كوفي يقترح فكرة ما يسمى «البنك العاطفي». فكرة جميلة، فاجعل كل خطوة تخطوها في خزينة الخير عطرًا وأريجًا، واحذر خطوات الشر، فالشر إن فعلته فستضعه في نفس الخزينة، نعم نفسها فيُحوّل رائحتها عفنًا وصديدًا.

 


في الأساطير اليونانية، عشقت إلاهة القمر سيليني شابا وسيما يدعى إنديميون؛ وكان الإغريق إذا رأوا الغيوم غطت القمر، قالوا بأن سيليني - إلاهة القمر - ذهبت لتقبّل إنديميون. ومن عِشقها له أن طلبت من كبير الآلهة زيوس أن يخيّر إنديميون بين الموت والنوم إلى الأبد، فاختارت له النوم إلى الأبد لتظل تقبّله. إنه أمرٌ يستحق التفكير طويلًا.

تخيل أنك تُخير بين الموت الكلي والنوم الأبدي. هل تفضل الموت لتختفي كليًا عن الوجود، أم النوم إلى الأبد ليراك الناس وتعيش الأحداث دون أن تشعر، ودون أن تخرج من هذا السجن الأبدي: سجن النوم؟! إنها أزمة تقول بأن النوم الأبدي قد يكون أسوأ بكثير من الفناء الكلي. من يطيق سجن اليقظة أو سجن النوم وكلاهما حرمان من الحرية؟

 


تذكر القصة أن ملكًا حبس رجلًا بنية إعدامه، فلما كانت ليلة ما قبل الإعدام دخل الملك على السجين وقال له: بقي بحياتك ليلة واحدة والغريب أنك لا تنتبه أن الزنزانة فيها مخارج كثيرة! إنك إن خرجتَ فقد نجوت، ولن أترك عليك رقابة الآن، فاختر مصيرك! خرج الملك وبدأ السجين ليلته باحثًا عن مخرج. وجد صخرة فحركها فوجد ممرًا فدخل فيه.

فجأة وجد الممر مغلقًا! عاد بسرعة للزنزانة وأزال حجرًا آخر ودخل زقاقًا ضيقًا فإذا به مغلق. جرّب ممرًا ثالثًا ووجده مغلقا، وجرب الرابع فوجده مغلقًا، فانتابه اليأس ونام متعبًا. حل الصباح فجاء الملك وقال: لماذا لم تهرب وباب القلعة مفتوح؟! الرسالة: ثمة من يشغل تركيزك بمخارج معقدة. انتبه، إن الطرق المعقدة ليست دائمًا هي المخرج.

 


خذها قاعدة: «المعاصي التي تمنع الغرور خيرٌ من الطاعات التي توجد الغرور»، هكذا يقول المتصوفة! يقولون بأن معاصيك التي تجعلك متواضعًا عند الله خيرٌ من طاعاتك التي تجعلك متكبرًا عند الله. إن المتصوفة هنا يركزون على فكرة «التواضع»، فكل ما يأتي بتواضع فهو خير وإن كان معصية، وكل ما يمنعه فهو شر وإن كان طاعة.

ماذا نتعلم هنا؟ نتعلم كيف يحرك المبدأ الأشياء. إن التواضع «مبدأ» (principle) عند المتصوفة، فكل شيء ينبغي أن ينطلق من هذا المبدأ. وإن التواضع «غاية» (end) عند المتصوفة فكل وسيلة (شرًا كانت أم خيرًا) تُبرَّر إن كانت تقود إلى هذه الغاية. نعم، إن كل إنجاز تحققه وكل هدف تحرزه وكل طموح تناله هو شر إن كان لا يزيدك تواضعًا!

 


ما الذي تعلمته من الشجرة؟ الوفاء والعطاء. فالشجرة ترد الصاع صاعين، اممم خطأ مني، سأقول الشجرة ترد الذراع ذراعين (فالذراع واليد معروفة بالعطاء والمد). ترمي بذرة فتستحيل شجرة ولتتأمل ردها عليك: (1) تشبعك بثمرتها، (2) تحميك عن الشمس بظلالها، (3) تُحييك بأكسجين، (4) تحسن مزاجك بجلب العصافير.

هل هذا فقط؟ لا لا، نستمر: (5) تسر ناظريك بخضرتها، (6) تدفئك بخشب أغصانها، (7) ترشد الناس إليك، كمندوب التوصيل (تقول له: العمارة اللي عند الشجرة). (8) تعلمك وهذا أهم، تعلمك (أ) التواضع بانحنائها بثمرتها، (ب) المرونة بمراقصتها للعواصف، (ج) الصبر والتأني بتدرج نموها، (د) الفخر والثقة بامتداد جذورها.

 


حين قال الله «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا» استغلها مدّعو النبوة كفرقة البهائية - قائلين بأن الله لن يعذب قومًا حتى يبعث فيهم رسولًا يرون معجزاته بأعينهم، لا رسولًا سبقهم بقرون لم يُقم عليهم حجة بمعجزة يرونها بأنفسهم! وحين قال «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»، قالوا بأنه الدين الذي أكمله النبي ﷺ وعلى نبيٍّ آخر إكمال دينه ومهمته!

وحين قال «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»، فسروا الخاتم بأنه المميز وواسطة العقد لا الأخير. لقد أوقد مسيلمة شرارة النبوة ونفخ فيها بهاء الدين، والمرء قد يبلغ رتبة «الأنبياء» بخُلُقه وتبنّيه لقيم الحب والسلام. هل صِدقًا تحب الناس جميعًا؟ هل صِدقًا تفشو السلام بينهم وتدعو إليه؟ إنهما شرطا «النبوة».

 


هل تعرف قصة دليلة وشمشون؟ إنها أسطورة من أساطير الإغريق تحكي قصة امرأة اسمها دليلة أحبها رجل اسمه شمشون اشتهر بقوته. عرف أعداؤه حبه لدليله فطلبوا منها أن تخبرهم عن سر قوته ليتمكنوا منه، تتبعت دليلة الأمر وعلمت بأن قوته «في شعره الذي لم يُحلق». أضجعته دليلة في حضنها فنام وحلقت شعره فقبض عليه أعداؤه.

أوثقوه بالسلاسل وظل لأيام فعاد شعره. قدموه لخشبتي الإعدام، فمسك بهما وهزهما فقوّض الأبنية، فأهلك أعداءه وهلك معهم.  ماذا نتعلم؟ «أن القوة تعود». هل فقدت ثقتك؟ إنها كالشعر ستنبت مجددًا. هل فقدت حبك للعمل؟ إنه كالشعر سينمو أيضا. آخخخ، إن بعض مما فقدته أنا قد تأخر في العودة والنمو، وكأنما نُتف بالليزر!

 


ما معنى (Mindfulness)؟ إنها تعني «الانفصال عن الأفكار، ثم مراقبة الأفكار دون أحكام»، فالمصطلح يحمل كلمة «عقل/فكر» (mind) ويؤكد الانفصال «الكامل» (full). إنها عملية تأملية تقول «تأمل فقط أفكارك، إنك لستَ أفكارك»، فلا تحكم عليها سلبًا ولا إيجابًا. ولكن ما الدليل على «أنك لستَ أفكارك» حقًا؟

فكر الآن وأنتج فكرة ثم راقبها، ثم اسأل نفسك: من راقب فكرتي؟ إن المراقب (= أنت وحكمك وشعورك) يختلف عن المنتج (= الدماغ الذي أنتج الفكرة). جرب أيضا أن تنتج فكرة قبل أن تراقبها، وستجد بأنك تعجز أن تراقبها قبل أن تنتجها، وهذا يؤكد أن المراقب (أنت وحكمك وشعورك) منفصل فعليًا عن المنتج (= دماغك). يُتبع بسؤال.

 


قد تقول الآن بأن المراقب هو المنتج، فالدماغ يُنتج الأفكار، والمراقب هو الدماغ أيضا، كونه هو من يراقب ويحكم على الأفكار، فكيف ينفصلان؟ «إن الانفصال يكمن في عملية الأمر والتحكم». إن الدماغ ينتج الفكرة تلقائيًا، فتنتج أنت أيها المراقب حكمك السلبي عليها، ثم «تأمر» دماغك بأن يتبنّى حكمك عليها فيثير هو شعورًا لائقًا يناسبها.

نعم، الدماغ يُنتج الأفكار دون استشارك، والدليل على ذلك أنك تعجز عن إيقاف أفكارك السلبية؟ لماذا تعجز؟ فكر معي؟! «لأنك باختصار لست أفكارك» ولست من ينتجها! أنت المراقب والحاكم فقط، فكيف تحكم على ما ينتجه دماغك؟ هذا ما ترسله أنت إلى دماغك ليتبنّاه ويحكم به على الفكرة التي هو أنتجها، ويثير بعدها شعورًا لائقًا يناسبها.

 


خذها معلومة: «ثمة ثالوث مسيحي (Trinity) وثمة ثالوث هندوسي (Trimurti)»، ويتشكل الثالوث الهندوسي من: براهما (وهو الخالق وصانع الكون) وفيشنو (وهو الحافظ ومدير الكون)، وشيفا (وهو المدمر ومحرر الكون). ورغم أن براهما هو الأصل، فلن تجد له معابد كمعابد فيشنو وشيفا لأن المعتقد يقول بأن «براهما استراح بعد الخلق»!

فماذا نتعلم هنا؟ نتعلم (1) أن الناس لا تحب من يستريح ويتوقف بعد إبداعه، بل تحب من يبقى في الصورة، وفيشنو يحقق ذلك، كما (2) أن الناس قد تفضل عليهما من يدمر إن كان التدمير للشر فقط، وشيفا يحقق ذلك. إن معرفتك بأن مشاكلك وأمراضك سيدمرها شيفا يجعلك تحبه أكثر من حبك لبراهما الذي خلقها وفيشنو الذي دبرها.

 


هل تريد قصة تذكرك بأن «تغيير نفسك أولى من تغيير العالم ومن هم حولك»؟ قصة الملك الذي طلب من خدمه أن يفرشوا الوادي بالجلود فقط لكي يمشي حافي القدمين فلا تصيبه الأشواك! حاول الخدم فعل ذلك فعجزوا، فقال له حكيم: «ضع الجلود على قدمك ولا تفرش ما هو تحتك». نعم، أضف التغيير إلى نفسك لا العالم!

تريد قصة أخرى؟ تذكر قصة ذلك الرجل الذي كان ينظر من النافذة فيرى الضباب فيشكو حالة الطقس، حتى مسح النافذة فرأى سطوع الشمس! قصة تقول «غير عدستك التي تنظر منها يتغير العالم». تذكر هذه القصص فربما بتذكرك لها تتذكر أن محاولاتك الدائمة لتغيير شخص محاولات في الاتجاه الخطأ. غيّر نفسك قبل أن تقرر تغيير غيرك.

 


حين نقرأ «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»، نجد المفسرين يقررون بأن معنى «الأبتر» هو «مبتور النسل»، أي أنهم يختارون المدلول المعنوي فيما قد يكون المقصد هو المدلول الحرفي. إن «البترَ خاصٌ بالأعضاء» كما هو معلوم، وبهذا قد يكون معنى «الأبتر» أي مبتور «الذَكَر» (بالفتح) لا «الذِكْر» (بالكسر)، وهي سبة شهيرة نتداولها فيما بيننا وبلهجاتنا حتى يومنا هذا.

وعلى هذا، أراد القرآن الرد على شانئ وكاره النبي ﷺ الذي تلفظ بهذا اللفظ الفاحش ووصفه بأنه هو مقصوص الذَكَر، أي بلا ذَكر وآلة تمكنه من الإنجاب. نعم، رَغم أن المفسرين تلطفوا فاختاروا المدلول المعنوي إلا أن التذكير بالمدلولات الأخرى يؤكد ما لاقاه نبينا ﷺ من أذى في سبيل إيصال رسالته كما يؤكد شدة القرآن في الرد على الكافرين.

 


استكمالًا للمقال السابق الذي يشير إلى أن كاره النبي هو الأبتر أي «مبتور الذَكَر والفرج»، نستحضر مقولة النبي ﷺ «رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، فقد تكون وردت في ذات السياق، فنبينا موسى عليه السلام قد أوذي من بني إسرائيل كما في حديث البخاري ومسلم بذات الأمر في أعضائه التناسلية فقيل بأنه «آدَر».

فبحسب الحديث، كان بنو إسرائيل يغتسلون وهم عراة وكان موسى يغتسل لوحده، فقالوا: والله ما منع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (أي ضخم الخصيتين)، حتى برأه الحجر فقالوا: والله ما به من بأس! وموضوع الجنس والنبوة موضوع طويل يستحق البحث والدرس فقد تكرر مع مريم عليها السلام ومع إبراهيم وامرأته عاقر، وكذا مع زكريا.

 


يُحكى في الأساطير اليابانية أن رجلًا كان ينحت الصخر ويشكو من عمله، فرأى ملكًا يمر بجواره، فتمنى أن يكون ملكًا، فنام واستيقظ فإذا به ملك! ففرح كثيرًا، ولكنه لاحظ بأن الشمس أقوى منه فهي تسوّد وجوه الملوك، فتمنى أن يكون شمسًا، فنام فوجدَ نفسه شمسًا، ثم لاحظ بأن الغيمة أقوى منه، كونها تحجب أشعة الشمس وتكسرها، فتمنى أن يكون غيمة، فنام فصار غيمة، فصار قويًا يُنزل المياه ويُفيض السدود ويُغرق الأرض، فلاحظ بأن الصخر أقوى من الغيمة إذ لا يتأثر بالماء، فتمنى أن يكون صخرة، فنام فاستيقظ صخرةً صماء، فسعد بقوته، فرأى رجلًا ينحته، فتمنى أن يكون رجلًا ينحت الصخر، فعاد إلى طريقته الأولى في نحت الصخر، مُدركًا بأنْ ليس ثمة من هو أقوى منه!

 


خذها قاعدة: «عاملوا الناس كما تحبون أن يعاملوكم». هكذا ورد في إنجيل متى (12:7) على لسان المسيح في موعظته على الجبل. مع ذلك، فكثير منا يعرف وجهها الأساسي وهي أن يُعامل الناس كما يحب أن يُعامل هو، ولكنه لا يعرف وجهها الثانوي والذي يطالبه بأن يعامل الناس كما يحبون هم أن يعاملوا، لا كما يحب هو أن يعامل.

إنه لا يكفي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك! فإذا كنت تحب أن يعاملك الناس بتقبيل رأسك ويديك، فلا يعني هذا أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك فتقبل أيديهم ورؤوسهم. ثمة من لا يحب أن تقبل يده أو رأسه، فيجب أن تعامله كما يحب هو، لا كما تحب أنت. هل تعامل الناس بطريقة تحبها أنت وتنسى أن تعاملهم بطريقة يحبونها هم؟!

 


ما الذي تحتاج إليه لتكون شخصًا أخلاقيًا؟ ثلاثة أمور: (1) أن تفكر بشكل جيد، و(2) أن تتكلم بكلام جيد، و(3) أن تقوم بفعل جيد. إنها فكرة وركيزة هامة في الديانة الزرادشتية، فالزرادشتية تقول بأن الأخلاق تعتمد على ثلاثة ركائز: «الفكر الطيب» (Humata) و«القول الطيب»  (Hukhta) و«العمل الطيب» (Hvarshta).

انظر أيضا الإسلام، فهو يطالب بنفس الثلاثية: بإحسان النية أي تطييب الفكرة الداخلية (= إنما الأعمال بالنيات)، ويطالب بالقول الطيب والعمل الصالح (= إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلعَمَلُ ٱلصّالِحُ يَرْفَعُهُۥ). راجع نفسك في هذا المحور: هل تفكر أولًا بأفكار طيبة وإيجابية ثم ثانيًا تقول كلامًا طيبًا ومشجعًا ثم ثالثًا تفعل فعلًا طيبًا ونافعًا؟

 


ما هو عكس «الحضور الذهني» (mindfulness)؟ «الغياب الذهني» (mindlessness). إن الحضور الذهني يعني أن تحضر في اللحظة الراهنة ولا تغيب عنها، وهي عملية نفسية مريحة تؤتي ثمرتها فقط إذا كنت حاضرًا في «الحاضر واللحظة والآن»، لا غائب الذهن سارحًا متفكرًا في أصداء الماضي والمستقبل.

باختصار، لن تشعر باللحظة الممتعة في وجبة غداء اليوم وأنت تغيب عنها وتفكر في الماضي (= لماذا استيقظت متأخرًا هذا الصباح؟) أو في المستقبل (= ماذا سأعمل بعد هذا الغداء؟). لا نقول «ركز على اللحظة الراهنة»، فالتركيز مهمة شاقة تجلب الصداع. نقول «لا تغب عن اللحظة الراهنة وتبحر في الماضي والمستقبل»، فعدم الغياب مهمة سهلة.