‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون وآداب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون وآداب. إظهار كافة الرسائل

 


ما الذي يفتقده كتاب القصص والسيناريستيون؟ يفتقدون إلى «فن المفارقة (Irony)»، أي مخالفة توقعات القارئ. خذ أمثلة على قصص المفارقة: رأى أحدهم رجلًا في حديقة مع ابنه الصغير الذي يبدو كفتاة، فسأله: يا رجل، ابنك هذا حيرني، هل هو طفلة أم طفل؟ قال: طفلة! قال: غريب تقصير شعرها، لماذا لا تنهرها وأنت أبوها؟ قال: أنا أمها!

إنه جواب ينطوي على مفاجأة، وهذه بالضبط هي حلاوة المفارقة. خذ الثانية: قال أحدهم بأن ابنه يتأخر عن المدرسة فاضطر لأن يشتري له سيارة، فصار لا يتأخر، قالوا: كيف؟ قال: صار يذهب إلى المدرسة مبكرًا جدًا ليجد موقفًا لسيارته. إنك لم تتوقع هذا الجواب أيضًا. إذن، لا تكتب قصة ما لم تفاجئ القارئ فيها بلفّة. «اللفّة هي المفارقة».

 


ما الذي أحب فعله؟ تغيير كلمات القصائد. إنني أجدُ نفسي تهوى تغيير كلمات القصائد ببدائل لفظية أجمل، وأجد ذلك سهلًا على نفسي أكثر من عملية نظم قصيدة من الصفر، فأتساءل: هل «تبديل كلمات القصائد» فنٌ مستقل؟ وهل نَعدُّه إبداعًا، فيكون كإدعاء المترجمين بأن «تبديل كلمات المؤلف من لغة إلى لغة» هو عملٌ إبداعي أصيل؟!

عمومًا، الشعراء لا يحبون من يتلاعب بقصائدهم. يؤكد ذلك قصة أم كلثوم وبدوي الجبل، فقد كتب بدوي الجبل قصيدة بعنوان «شقراء»، فأرادت أم كلثوم غنائها وطلبت منه تغيير كلمة «شقراء» إلى «سمراء» لأن السُمر أقرب إلى العرب من الشُقر، فرفض بدوي الجبل طلبها رفضًا قاطعًا. «إن القصائد بنات الشعراء». إنها من «عَِرض الشاعر».

 


خذها قاعدة: «صور الشعر تأخذ صفات الصور العامة». يقولون في هذا البيت صورة شعرية، والحق أن فيه صورة كاريكاتورية إن كان ساخرًا (يُقتّر عيسى على نفسهِ، وليس بباقٍ ولا خالدِ؛ فلو يستطيع لتقتيرِهِ، تَنفَّس من منخرٍ واحدِ)، وفيه صورة كرتونية إن كان بيتًا من شعر أطفال (أمي وردة، في بستاني؛ وأبي بسمة، في وجداني إلخ).

وفيه صورة خيال علمي إن كان سايفاي sci-fi (مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا...)، وزيتية إن كان يحكي تاريخًا (فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ..)، وصورة تجريدية إن كان غير مفهوم (أُسَمّي خطايَ التي لا تُرى، وأمشي على لغةٍ لا تُقالُ)، وصورة سريالية إن كان حالمًا كبيت السياب (عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر، أو شُرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمر).

 


قال الشاعر محسن السهيمي في أحد قصائده «العمرُ بنكٌ من الذكرى نجوّدُها، دهرًا فتهوي عليها كفُّ حصّادِ»، وهو بيت جميل من قصيدة دالية. قلتُ في نفسي: لو قال محسن - ولكنه الآن عالقٌ بقافية دالية - «العمرُ بنكٌ من الذكرى نجوّدُها، دهرًا فتهوي عليها كفُّ حصّالِ» لكان أفضل، فالحصّال لفظٌ بديعٌ جديد يذكرنا بمن يَحصِل الأموال ويدّخرها.

إن الحصّال يضع في حصّالته أكثر مقتنياته قيمة، وكذا ملك الموت يفعل، يكوّم في حصالته/مقبرته عبر فتحة ضيقة تشبه اللحد أعظم الأرواح والذكريات، وهذه صورة بديعة. فبما أن الشاعر ذكر «البنك»، كان «الحصل» هنا أنسب، لاسيما وأن صورة الزارع والحاصد في الموت شهيرة، بينما صورة الجامع والحاصل في الموت ستكون مُحدثَة.

 


خذها قاعدة: «ثمة فرق بين المنتج وعملية الإنتاج». إن الفرق بين الشعر والقصيدة يكمن في أن الشعر عملية إنتاج بينما القصيدة مُنتج. فلا تقل «لدي ديوان شعر»، فربما لم تحسن «عملية» الشعر والاستشعار والشعور أثناء النظم، ولكن قل «لدي ديوان قصائد»، فتتحدث عن منتجاتك ولا تدعي إتقان العملية. كذلك الأمر في الكتابة!

ثمة فرق بين الكتابة (= عملية) والمقالة (= مُنتج). لا تقل «لدي كتابات عن هذا» فتزعم أنك قائد عمليات، ولكن قل لدي «مقالات». كذلك ثمة فرق بين الطبخ (= عملية) والطبخة (= منتج)، فلا تقل «طبخي احترافي» وأنت لا تجيد طبخ السوشي، ولكن قل «طبختي احترافية» فتشير إلى الصحن والميدان الوحيد الذي احترفتَ الركض فيه.

 


متى صار الأدبُ جميلًا؟ حين انتقل من وصف «الفعل» إلى وصف «الشعور». حين انتقل من وصف الفعل وقول «وسافرت جيسكا إلى ألمانيا»  إلى وصف الشعور وقول «وحزمت جيسكا حقائبها بينما الدموع الحارة تسيل على وجنتيها؛ تفكر جيسكا متى تحط في مطار برلين حيث تغطي الثلوج الطرقات فتلسع الأجساد العارية».

حين يشعر القارئ بحرارة الدمعة وما وراءها من شعور، ويشعر بصقيع الثلج وما وراءه من برود، يستحيل الأدب جميلًا. إن الجمال يكمن في الجمل، التي تحرك المشاعر الخامدة وتمس التجربة الشائعة. وهنا يُكثر الروائي من تجاربه ويكثف منها أملًا في أن يحرك مشاعر قارئه. يقول كونديرا «أنا تجريبي!» ويقول إمبرتو إيكو «طوال عمري، وأنا أجرب!».

 


يقول الشاعر: «الصمت ُ أزينُ بالفتى، منْ منطقٍ في غيرِ حينِه؛ والصدقُ أجملُ بالفتَى، فِي القول عندي من يمينه؛ وعلى الفتى بوقارِه، سمةٌ تلوحُ علَى جبينِه؛ فمن الذي يَخْفَى عليك، إذا نظرتَ إلى قرينه؛ رُبَّ امرىءٍ متيقنٍ، غلب الشقاءُ على يقينه؛ فأزالهُ عنْ رأيهِ، فابتاع دنياهُ بدينِه». إنها أبيات اعترضتني ببرنامج «حروف» في رمضان الفائت.

فمن عادة البرنامج أن يعرض مادةً فيلميّة، وقد عرض القصيدة السابقة كمقطع من مسلسل تاريخي. ولا أخفيكم أنها أعجبتني حين سمعتها ملقاة، ولم تعجبني الآن حين قرأتها مكتوبة، وكأنما الشعر عملية «عرض فيلمي مباشر» لا «نقل نصي غير مباشر». ولذا كان القدماء «يُلقون الشعر» ولا «يكتبونه» بل يستعيبون كتابته، فمن كتبه أفسده!

 


هل تريد بيتًا جميلًا من الشافعي؟ خذ هذا البيت: «جزى الله الشدائدَ كل خيرٍ، عرفتُ بها عدوي من صديقي». وهذا بيت رائعٌ من جانبين، الأول أنه حكمة تبين بأن الشدائد هي المعيار والاختبار، وأنها هي ما يستحق الاحتفال، فهي ما يفصل الصديق من العدو. هل مررت بأزمة عرّفتك صديقك من عدوك؟ إنها نعمة من نعم الشدائد.

الأمر الآخر هو أن البيت السابق تم اختزاله، فهو مربوط من بيتين: «جزى الله الشدائدَ كل خيرٍ، وإن كانت تغصّصني بريقي؛ وما شُكري لها حمدًا ولكن، عرفتُ بها عدوّي من صديقي»، فعجز البيت الثاني كُتِبَ ليكون قابلًا للربط بصدر البيت الأول، وهذا فنٌ بلاغي: أن تكتب قصيدة من بيتين وتجعلها قابلة للخزل والربط في بيتٍ واحد.

 


تحكي القصة أن رجلًا إيطاليًا ذهب إلى طبيب نفسي في روما ليتعالج من اكتئاب مزمن، فنصحه الطبيب بأن يستعين بالملهيات والتسالي ونصحه بأن يذهب خصيصًا إلى مسرحيات الكوميدي الإيطالي كارلينا، فهي تزيل الحزن والكآبة. قال الرجل: وماذا لو كنتُ أنا كارلينا! إنها قصة تخبرك أن المهرج قد يصاب باكتئاب وهو مصدر الإسعاد.

إن هذه القصة التي أوردها علي عزت بيجوفيتش في كتابه «هروبي إلى الحرية» تضعنا أمام فكرة هامة، وهي أن «مصدر السعادة من الخارج لا الداخل». فهذا الكوميدي يطالب بمصدر خارجي يسعده، فالسعادة التي بداخله تسعد الآخرين لأنها سعادة تأتي للآخرين من مصدر خارجي. فهل هذه القصة تتحدى مقولة «ابحث عن سعادتك بداخلك»؟!

 


تحكي القصة أن كاتبًا كان يتقاضى مبلغًا على كل قصة ينشرها في مجلة، وفي ليلة ما، كتب قصة فاتنة، قرأتها زوجته فبكت منها إعجابًا بها. أرسلها الكاتب إلى المجلة وسارعت في نشرها وتلقاها الناس بابتهاج، وزاده المحرر علاوة. في اليوم التالي أرسل الكاتب قصة متوسطة الجودة فرفضها المحرر وأوقف المكافأة مطالبًا بقصة كالسابقة!

تورط الكاتب وزوجته فبدأوا بمراسلة مجلة أخرى باسم مستعار وبقصص متوسطة المستوى ونُشرت وتلقوا المبالغ! وفي ليلة ما، كتب الكاتب قصة قرأتها زوجته فبكت! وحينها ذعر الزوج والزوجة ومزقوها. إنها قصة تخبرك أن «العمل الجيد قد يقتل صاحبه»، وتخبرك بأن «المنتجات متوسطة الجودة قد تدر مالًا أكثر من المنتج الوحيد عالي الجودة».

 


ما أجمل أبيات قرأتها هذا الأسبوع؟ قول الشاعر: وإذا الشدائدُ أقبلت بجنودِها، والدهرُ من بعد المسرّةِ أوجعكْ. لا ترجُ شيئًا من أخٍ أو صاحبٍ، أرأيت ظلَّك في الظلام مشى معك؟ وارفع يديك إلى السماء ففوقها، ربُّ إذا ناديتَه ما ضيّعك. وخير ما فيها قوله أن ظلّك وهو القريب منك خذلك في الظلام، فكيف بالله ترجو نجاةً من أخٍ أو صاحب؟

نعم، إن الاحتماء بالله خير احتماء، ولكن البعض لا يستطيع استشعار حمية الله، لأنه يستشعر بُعد الله عنه، فالله بعيدٌ عنه في السماء. متى ما استغل النص واستشعر أن الله معه وقريب منه كقرب ظله له تغير شعوره، ظلٌ روحي يرافقه في الليل والنهار. وكذلك أنت، متى ما تستشعر بأن الله قريبٌ جدًا منك كقرب ظلك لك، سيتغير شعورك كاملًا.

 


حين يقول علي بن الجهم «إذا ذهب العتابُ فليس ودٌ، ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ»، فإنه يؤسس لقاعدتين هامتين. القاعدة الأولى أن ذهاب العتاب واستبداله بالنقد والتهجم ينفي الحب ويُقصيه (وهذا معنى إذا ذهب العتابُ فليس ودٌ). أما القاعدة الثانية فتقول بأن الود يبقى ما بقي العتاب، فالعتاب سبب لإبقاء الود والعكس صحيح! لماذا؟

إن هذا مبنيٌ على أساس أن «كل ابن آدم خطّاء»، وطالما أن ابن آدم سيخطئ، فلا حل لإصلاح خطأه إلا بالنقد الناعم (وهو العتاب) لا النقد اللاذع (وهو التهجم). تعلم من هذا وقل قبل كل نقد توجهه «وأنا أعتب عليك عتابَ محب لأن كذا وكذا»، وقل بعدها ما تشاء من نقد، فهذه عبارة ذكية لتسديد «النقد الناقم» وإبقاء «الود الدائم».

 


ما خير بديل للتكرارات الإيجابية؟ أن تكرر «الأبيات الشعرية». فالأبيات الشعرية تتركُ أثرًا في المرء لا تتركه التكرارات الإيجابية، كأن تكرر مثلًا «دع الأيام تفعل ما تشاءُ، وطب نفسًا إذا حكم القضاءُ» لصد الحَزَن، أو «بِمَ التعللُ لا أهلٌ ولا وطنُ، ولا نديمٌ ولا كاسٌ ولا سكنُ»  لتخفيف الشَجَن، وابحث «وستجد لكل شعورٍ شعر».

لقد وعى العرب أهمية الشعر في التحفيز، يقول معاوية: «والله إن كان العاق ليروي الشعر فيبرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل؛ ووالله لقد وضعتُ رجلي في الركاب يوم صفين مرارًا، ما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة، وتمثل بها». يقصد: «وقولي كلما جشأت وجاشت، مكانك تحمدي أو تستريحي».

 


ما المقولة التي تأثرتُ بها وأراها مُعينة في الاستمرار في «الكتابة دون كآبة»؟! إنها مقولة اعترضتني ربما في كتاب «الأدباء» (دار أدب) وأظنها منسوبة إلى الأديب الروسي أنطوان تشيخوف، يقول فيها: «اكتب ثم اكتب ثم اكتب!». فتشيخوف يرى أن الكتابة تستقيم في الجولة الثانية (جولة التصحيح) لا في الجولة الأولى (جولة الصراع مع الأفكار).

إنني حين أتذكر مقولة تشيخوف أجدني أكتب وأكتب بلا انقطاع، وأجد فكري ينتظم بعد الكتابة حقًا، وكأنما «الكتابة تصحح الفكر أولًا ثم يتدخل الفكر ليصحح الكتابة». إذن، اجعل هذه خطتك الكتابية: ابدأ أولًا وفي ذهنك «الخطوط العريضة»، ثم احرث الورقة بالكتابة العشوائية وسيظهر لك أثناء الحرث ما تشتهي بذره من «سطور أثيرة».

 


لمن تكون العاقبة؟ لمن يصبر. إن الفوز والنجاح يكونان لمن يصبر ويتمالك، والهزيمة والانكسار لمن يجزع ويتهالك. يقول النابغة الجعدي: سقيناهمو كأسًا سقونا بمثلها، ولكنهم كانوا على الموت أصبرًا. يقول بأنهم كانوا أفضل منهم لأنهم صبروا فقط. فالقوة ليست في العتاد بل في الصبر والعناد. فماذا يعني أن «تصبر»؟ يعني أن «تصمل».

إن الصابر هو الصامل والصبر هو الصملة ولكنك حين تقول «سأصبر» بالفصحى تتخيل شخصًا يُطأطئ رأسه ويتكاسل وحين تقول «يصمل» كما في اللهجة تتخيل شخصًا يرفع رأسه ويواصل. بدّل عبارتك «سأصبر على البلوى» بـ«سأصمل على البلوى» وستجد معنى الصبر الحقيقي الذي فات عليك، فقد كنت تظن الصبر قبولًا بلا عمل.

 


«لعل عُتْبَك محمودٌ عواقبه، فربما صحّتِ الأجسامُ بالعللِ»، هذه نظرة إيجابية مبكرة من المتنبي. يقول لعل جسدك يصح من علة؛ تصاب مثلًا بفيروس وتكتسب بعدها مناعة قوية فيصح بها جسدك طويلًا. تصاب بصداع خفيف فتزور الطبيب لعلاجه فيكتشف مرضًا خطيرًا فيعالجه الأطباء لك ويصح جسدك بسبب علة صغيرة لم تحمدها!

يعاتبك مديرك فيزيد نشاطك، تلومك أمك فتتحسن أخلاقك، يقاطعك صديقك فتزيد علاقاتك، تفارقك زوجتك فتتحسن معاملاتك. فكر في المصيبة التي تمر بها، أو التي تخاف ملاقاتها، وتذكر بأنها أمور قد تطورك وتحسنك وتزيد من فرصك، فلربما ما تخافه «محمودٌ عواقبُه، وربما صحتِ الأجسادُ بالعللِ». احفظ البيت فهو مفيد!

 


ما الذي نتعلمه من أوس بن حجر وهو من فحول شعراء الجاهلية؟ نتعلم منه أنه كان لا يبتئس من شيءٍ قد يحدث مستقبلًا حتى يقع فعليًا. فحين يقع الحدث يُجمل ويُحسن له القلق والجزع فيقول «أيتها النفس أجملي جَزَعًا، إن الذي تحذرين قد وقعا». أما قبل ذلك فلا يجزع. يؤكد مذهبه هذا قوله أيضا: ولستُ بخابئٍ أبدًا طعامًا حذار غدٍ لكل غدٍ طعامُ.

إنه لا يحذر ولا يقلق من شيءٍ مستقبلي حتى يقع. هل تقلق أنت من الفشل قبل وقوعه؟ من المرض قبل حدوثه؟ من الموت قبل نزوله؟ لما سمع الأصمعي مطلع قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعًا، إن الذي تحذرين قد وقعا»؟ قال: هذا أحسنُ ابتداءٍ وقع للعرب. احفظ هذا البيت وردده حين يحل البلاء فقط، لا حين تتخيّله وتتعجل وقوعه.

 


كان تشيرشل رئيس وزراء بريطانيًا رسامًا بارعًا، وقد بيعت إحدى لوحاته خلال مزاد خيري بمبلغ كبير، فلما سئل عن براعة لوحته وجمالها قال «٧٠٪ شهرة، ٢٠٪ صدفة، وآمل أن ١٠٪ كانت تقديرًا لعملي». بعبارة أخرى، كان تشيرشل يرى أن سبب ارتفاع سعرها هو شهرته، و٢٠٪ كانت مصادفة وحظ، و١٠٪ تكون تقديرًا لرسمته وقد لا تكون.

قد يُقال في مثل هذه الأحوال بأن المؤسف أن ثمة رسمات لمغمورين أفضل من رسمة تشيرشل الشهير. صحيح، ولكن بالله عليك، ماذا نريد برسمة لمغمور؟ إن الناس تريد رمزيّة الصورة، تريد أن تعرف ما يقوله تشيرشل في رسمته؟ ما يختبئ في ذهنه؟ كيف تُقرأ رسمته في ظل المعلومات المتاحة عنه؟ «إن قيمة الصورة برمزها لا برسمها».

 


تحكي رواية «الأشخاص ذوو النيات الطيبة» لجول رومان - وهي من أطول الروايات إذ تتشكل من ٢٧ مجلدا - قصة رجل كان له متاجر وبنايات وأموال كثيرة وكان يحتار في صرف أمواله! فقرر أن يعلن في الجرايد أنه سيتكفل بإقراض الناس دون فائدة. فكان يُقرض بلا ربا، فوجد الناس تستحق الإقراض، فهي تقترض وتعيد القرض في الموعد!

كانت أمواله تزداد أكثر، فالقرض يعود ويُستثمر وكأنما «الخير يولّد الخير». تريد تجربتها؟ جرّب أن تعلن عن إقراض الناس من ١٠٠ ريال بشرط أن يعيدوها ١٠٠ ريال بعد فترة وبلا فائدة. ستجد منهم من يقترض ويهرب، وستجد من يقترض ويسدد، وستجد وهذا سر تضاعف الخير - من يقترض ويكافئك أكثر، لأنك كنت مقرِضًا كريمًا!

 


يقول أحمد الزيات في «تاريخ الأدب العربي»: وأما العدنانيون فعرفوا الطب والبيطرة لاتصالها بالحرب، ولاحظوا الأنواء والنجوم لعلاقتها بالكلأ والغيث وليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وبرعوا في الأنساب والأخبار والأشعار، محافظةً على عصبيتهم وتخليدا لمآثرهم، ومهروا في الفراسة والقيافة لكشف الدعي فيهم وطلب الهارب منهم.

لاحظ تبريراته الفذة ليؤكد أن العدنانيين أكسبتهم «قوة الملاحظة وكثرة التجارب واضطرار الحاجة طائفةً من العلم المبني على التجربة والاستقراء». تأمل: لولا الحرب لما عرفوا الطب، ولولا الجريمة والجناية لما عرفوا الفراسة والقيافة، ولولا السفر والأكل لما عرفوا النوء والنجم. «إن لكلِ علمٍ سبب، فابحث عن أسباب رغبتك في تخصصك».