ما هو التفاؤل والتشاؤم ببساطة؟ التفاؤل هو «حسن الظن بالله والناس والمستقبل»، والتشاؤم هو «سوء الظن بالله والناس والمستقبل». حين تسيء الظن بالله (وأنه لا يغفر ذنبك) وبالناس (وأنهم لا يحبونك) وبمستقبلك (بأنه غير مبشر بخير)، فهنا تتشاءم. فما الحل للتشاؤم؟ أن تصادمه بالتفاؤل فكلما طرأ تشاؤم تتبعه بتفاؤل في أمر آخر.

أكمل التالي: «أنا متشائم لأني أشعر بأن....» ثم قل بعدها «ولكني متفائل في أن» وأكملها بتفاؤلك في جانب مختلف عن الأول. مثال: «أنا متشائم من أن صاحبي لن يساعدني، ولكني متفائل في أن الراتب سينزل بعد يومين». عود نفسك أن تُتبِع تشاؤمك في جانب بتفاؤل في جانب آخر وهكذا كرر مع كل تشاؤم، وستصبح حياتك متوازنة بهذه المصادمة.

 


أنا من عشاق كرة الفيفا في البلايستيشن القديم، وقد جربت الليلة أن ألعب دوري نُقطي. لقد تعلمت من هذه التجربة أشياءً لا شيئًا واحدًا. أولًا، شعرت بأن المتعة ازدادت فقد صرت حريصًا على الفوز والتقدم في الترتيب. تعلمت ثانيًا بأن الصدارة لا تتطلب الفوز الدائم، فقد تصدرتُ رغم أني هُزمت مرتين وتعادلت لثلاث مرات.

إنه أمر لم أتعلمه مسبقًا. لقد كنتُ أظن بأن الصدارة تعني أن أفوز في كل شيء حتى جربت الدوري بنفسي وحواسي (بعد أن كنتُ أتابعه في البث التلفازي). عرفت أن تعادلي أو هزيمتي لا تزيحني عن الصدارة، وأدركتُ بأن فشلي في مهمة أو تعادلي في منافسة لا يعني هبوطي إلى دوري يلو، بل هي هزائم تافهة عابرة لا تزيحني عن المركز الأول!

 


أثناء تجربتي لعب دوري نقطي في البلايستيشن كنت أتحدث مع ChatGPT وكنت أخبره بكل نتيجة في كل دقيقة، وكان يقول لي: «لا تستعجل، لقد أحرزتَ هدفًا الآن فحافظ عليه. اترك الخصم يتوتر للحاق بك، واستغل أنت المساحة والفرصة للتقدم بهدف ثان، ولكن لا تتوتر، أنت متقدم بهدف ولو انتهت المباراة هكذا فهذه ثلاث نقاط».

صدقوني أنني كنتُ أسمع بهذا في تحليلات المباراة، ولكنني لم أستشعر هذا الفكر التكتيكي إلا بعد أن خضتُ التجربة بنفسي. كان يقول لي أيضًا: «احذر أن تضغط نفسك للمحافظة على الصدارة والعب فقط على الفرصة، وضع التعادل هدفًا لك، وسيأتي الفوز»، وكان هذا ما يحدث بالفعل! فقد كنتُ أخطط للتعادل فأجد فرصة هدف في الدقيقة 44!

 


يقول لاعبو كرة القدم في البرازيل: «الكرة لا تدخل المرمى بالكلام». بعبارة أخرى، كلامك بأنك ستسجل هدفًا في التسعين أو من ركلة حرة مباشرة أو أنك ستضعها كبري على الحارس أو ستسددها كرة لفّافية من خارج خط الثمانطعش، لا يجعل الكرة تدخل المرمى. لابد أن تسدد الكرة أولًا أي تنتقل من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفعل.

مع ذلك، فالفعل لا يكفي أيضًا، بل عليك أن تكتسب مهارة تنفيذ الفعل، فتسدد كرة لفّافية بقدم «ماهرة» في تنفيذ اللفّافيات. وهذا درس للحياة؛ فمشاريعك وأهدافك لن تتحقق بالكلام عنها، بل أولًا ببدء الفعل لتحقيقها، وليس أي فعل، بل بالبدء في اكتساب مهارات تنفيد ذلك الفعل. هل لديك مهارات تنفيذية أم لديك فعل تنفيذي فقط؟

 


خذها قاعدة: «ما يريده الناس بشدة مبالغٌ في قيمته، وما يستهين به الناس كنزٌ خفي». ودعني أعطيك أمثلة ولنبدأ بالذهب! الناس تريده بشدة ولكنه مبالغ في قيمته، بل هو بلا قيمة فعلية، فقيمته جاءت من الملوك القدماء حين تحاربوا عليه للتفاخر والزينة. فلو ملكت طنًا من الذهب وقرر الناس فجأة عدم شرائه منك ستعرف بأنه لا شيء.

جرّب حينها أن تتزين بهذا الطن من الذهب أو جرب أن تأكله. في المقابل، انظر الماء! يستهين الناس به ولا يشربونه إلا قليلا رغم وفرته، كما يستهينون بمسائل الاحتباس الحراري وجفاف القطب الشمالي وكأنها هامشية، والماء كنز. نعم، إن المسألة بسيطة: ما يستهين به الناس هو الكنز الخفي، وما يريدونه بشدة هو ذو قيمة مبالغ فيها!

 


يقول زغ زيغلر عبارة نحتاج أنا وأنت أن نتأملها سويًا! يقول: «ما تحصل عليه بتحقيق أهدافك ليس مهمًا بقدر ما تكونه بتحقيق تلك الأهداف». إن زيغلر يشير هنا إلى أن «الكينونة» (being) أهم من «الملكية» (getting)، فما تكونه وتصبح عليه أهم بكثير مما تملكه وتحصل عليه. فالمهم تطور الفرد وتطور مهاراته لا تزايد ملكياته ومحصولاته.

نعم، فكر الآن في أهدافك التي حققتها سابقًا، ماذا فعلت تلك الأهداف بك؟ كيف طورتك على المستوى «الشخصي» لا المستوى «الحياتي»؟ كيف أصبحت بها؟ إنه سؤال لا تستطيع الإجابة عليه، لأنك تنظر إلى الهدف كـ «فعل + نتيجة»، لا كـ «فعل + شخصية». هل فكرت كيف تطور أهدافك شخصيتك ونفسك وروحك وجسدك؟!

 


هل نتحدث عن زحف المفردات؟ إذن، لنبتدئ بكلمة «بكرة»، فقد صارت بمعنى «اليوم التالي» بعد أن كانت بمعنى «الصباح الباكر». فالله يقول «وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» أي صباحًا وعصرًا، وكان الإمام مالك يقول: «كنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل»، أي أنه يأتيه من الصباح فلا يخرج إلا في المساء. فكيف تغيرت؟

كان الرجل يأتيه الرجل في العصرية مثلًا، فيقول له «متى نلتقي؟»، فيرد نلتقي «بكرة» أي صباحًا؛ فلا يفهمها الرجلُ بأنها صباح نفس اليوم، فالصباح قد مرّ، وهو في العصر، بل أنها صباح اليوم التالي، ومع الوقت زحفت «بكرة» فصارت لليوم التالي بشكلٍ عام، بالضبط كما زحفت كلمة «غدًا» في «بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ»، وقد كان «الغدو» بمعنى «الصباح».

 


حين يوصيك أحدهم ويذكرك قائلًا «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، تتذكر أهمية ذكر الله وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والاستغفار فهي سبب اطمئنان القلب. ثم تأتي لتقرأ القرآن وتسبح وتهلل وتستغفر ولا تشعر باطمئنان كامل، فما السبب؟ السبب أنك لا تعي بأن آية «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» تعني «ألا (بتذكر) الله تطمئن القلوب».

إن قلبك سيطمئن حين تتذكر بأن الله قريبٌ منك، وعلى يمينك ومن خلفك ومن أمامك. تتذكر ذلك دائمًا؛ تتذكر أن الله ساعدك ويقف بجوارك. حين تمشي وتستشعر روح الله تحفّك وتحميك، وتدخل في مشروع وتستشعر بأن الله معك وهو من يخطط عنك ليُعطيك، هنا يبدأ الاطمئنان! الأزمة تكمن في شعورك بأن الله بعيدٌ عنك! تذكر: «إِنِّي قَرِيبٌ».

 


ما هو منهج الإمام أحمد في الحكم الفقهي؟ أنه يأخذ بالقرآن والسنة والإجماع، وقبل أن يأخذ بالقياس، يأخذ بالحديث الضعيف أو المرسل، لأنه يقول: سألتُ الإمام الشافعي عن القياس فقال: إنما يُصار إليه عند الضرورة. فمثلًا، لو سُئل الإمام أحمد في زمننا عن «ممازحة الأطفال»، فإنه سيبحث عن أي حديث عن «ممازحة الأطفال» قبل الحكم.

فقبل أن ينظر إلى ممازحة الأطفال على أنها قريبة من التبسم في وجه أخيك صدقة، ويحكم بأنها مستحبة وعليها أجر، سيحكم بأنها مكروهة لو وجد حديثًا ضعيفًا يقول «الوقار خيرٌ من المزاح». إن منهجه في الأخذ بالضعيف أفضل، فالأحاديث الضعيفة غالبًا ما تُرغِّب إلى الخير والأخلاق، وستعود على المسلمين بمنافع أخلاقية تفوق القياسات المنطقية.

 


حين أقرأ سير السلف، أدرك بأن طريقتهم في تخريج الطلاب خيرٌ من طريقتنا! يقول أبو حنيفة: كنتُ في معدن العلم والفقه، فجالستُ أهله، و«لزمت» فقيهًا من فقهائهم، يقصد شيخه حمّاد. كذلك انقطع مالك و«لازم» شيخه ابن هرمز، والشافعي انقطع و«لازم» شيخه مالك، وأحمد انقطع ولازم الشافعي حتى غادر العراق إلى مصر.

هذا يعني بأن الأئمة كانوا يلازمون أشيخاهم، فيتخرجون من فردٍ واحد فقط لا من عدة أفراد. فيا حبّذا لو تقلل الجامعات أعداد طلابها، بحيث يلازم طالبٌ واحد دكتورًا واحدًا من المستوى الأول إلى الأخير حتى يتخرج. إن «الملازمة» خير من «المزاملة». نعم، ملازمة دكتور واحد خير من مزاملة دفعة من الطلاب يتشتتون بين عدة دكاترة.

 


ما خير ما تصنع؟ أن تشغر وظيفة لا تُستبدل فيها وتتخصص في علم لا يُستغنى عنك فيه. وقد انتبه لهذا أبو حنيفة، يقول: لما أردت طلب العلم، جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها (مثل من يبحث اليوم عن أفضل تخصص)، قيل لي: تعلم القرآن! فقلت: فإذا حفظته، فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد فيقرأ عليك الصبيان والأحداث!

قلت ثم ماذا؟ قالوا: ثم لا يلبث أن يخرج فيهم أحفظ منك أو مُساويك، فتذهب رئاستك. قلتُ: لا حاجة لي في هذا. وينتقل أبو حنيفة في قصته ويقول ثم الحديث الشريف مثله والنحو مثله ثم قيل لي: تعلم الفقه، فقلت: ما يكون آخره؟ قالوا: يسألك الناس ويفتونك ولا يستغنون عنك، قلت: ليس في العلوم أنفع من هذا فلزمت الفقه وتعلمته!

 


خذها قاعدة: لا صلاح لأمر البشر إلا باثنين: (1) «الحرية» (liberty) و(2) «التنوير» (enlightenment). التنوير تدريس نظري، والحرية واجب عملي. إن الحرية تعني أن تمارس الحرية ممارسة، فتكون حرًا حقًا فيما تختار، وتعطي الآخر حقه في الاختيار بلا إجبار. لابد أن تمارس هذا ممارسة كاملة ولو خالفت التقاليد والأعراف!

هل ثمة تقليد وعرف تحب مخالفته ولا تستطيع؟ إذا نعم، فلستَ حرًا، فالحرية ممارسة وفعل قبل أن تكون خطاب وفكر. أما التنوير فهو عملية تعليم، ودورك فيه أن تدرّس وتُخرج الناس به من الظلمات إلى النور، فتنوّرهم عن الحرية وتذكرهم أنها ممارسة فعلية. فحين تمارس الحرية حقًا، وتنوّر الآخرين وتخبرهم بأهمية ممارستها أيضًا، يستقيم أمر البشر!