تقول «أخلاق الواجب» عند كانط أن على الإنسان أن يصدق حتى ولو كانت عاقبة الصدق وخيمة، فعليه الالتزام بالخلق وليس عليه الاهتمام بالخلف، أي ما يخلف الخلق من عقابيل. فإذا طارد مجرم رجلًا لقتله، واختبأ الرجل في بيت، فإن على صاحب البيت إذا سأله المجرم عن مكان الرجل أن يصدق ويخبر عن مكانه، وإن انتهى الأمر إلى قتل!

تأمل هذا التعسف، ثم تأمل ذكاء السلف. يقول إسحاق ابن هانئ: كنت مع المرزوي ومهني الشامي في البيت، فطرق طارقٌ الباب وسأل عن المرزوي، وكَرِهَ المرزوي أن يعرف الطارق عن وجوده في البيت، فغرز مهني أصبعه في راحته ورد قائلًا: المرزوي ليس هاهنا (أي في يده)! فغادر الطارق! قارن حيلة الشامي بتشدد كانط الفلسفي.

 


قرأت تغريدة تقول: «سبحان الله، الأمريكي ريتشارد يفخر بلغتنا العربية ويدعونا إلى التمسك بها، والسعودية فلانة بنت فلان تطالبنا بتعليم الفنون بالإنجليزية، كيف هذا؟!». إن مثل هذه التغريدات كثيرة، بحيث يصنع الكاتب مفارقة بين أمريكي مادح وعربي قادح، في إشارة إلى أن العربي مشكوك في قوله وهويته بدليل «كلام الأمريكي».

فالاستشهاد بأمريكي يؤكد في عقل المستشهد به بأن الأمريكي لا يخطئ، بينما العربي كعادته يخطئ، «والصحة دائمًا مع الأمريكي»؛ أو يؤكد بأن الغريب لا يخطئ، بينما ابن الدار كعادته يخطئ، «والصحة دائمًا مع الغريب». الحق هنا هو أن الأمريكي والغريب قد يخطئان والعربي وابن الدار قد يخطئان، ويقاس الصواب من مضمون الكلام.

 


هل تريد أن تعرف ما الذي يعجبني فيك؟ يعجبني فيك أنك تعرف ما يحب ابنك، تعرف أنه يحب لعبة البلايستيشن تلك، تعرفها وتعرف عشقه لها، وهذا جميل ونادر أن تعرف ما يحب ابنك. يعجبني أيضًا أنك تعرف ما تحب زوجتك من أحذية وملابس، يعجبني أنك تعرف أنها فاتنة باللون الأسود، وتحب الرصاصي، وكثيرًا ما تلبسه، يعجبني هذا.

يعجبني أنك تعرف ما يحب أبوك من طعام، فتتخير له ذلك الطعام حين تزوره، كما يعجبني أن تعرف ما تحب أمك، فتشتري لها من الفاكهة ما تفرح برؤيته. يعجبني هذا كله، ولكن ما لا يعجبني هو أنك لا تعرف سوى اثنين من تفضيلاتك، وتنسى البقية. اجلس مع نفسك جلسة وذكرها بما تحب، «فالمرء ينسى ما يُحب، كما ينسى بعادته من يحب».

 


يقول الله «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا». إن الله يطالبنا أن نذكره بالضبط كما نذكر آباءنا، فالله هو «الرب» والأب هو «الرب» (أي رب الأسرة) فلنفخر بهما. فكما نذكر آبائنا بخير ونتفاخر بهم، لنذكر الله بخير ونتفاخر به كذكرنا آبائنا «أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا». وقد تفاخرت قريش وقالت «اعلُ هُبَل»، فتفاخر النبي بربه: «الله أعلى وأجل».

وهذا المعنى يمتد إلى تفاسير أخرى. فكما تتذكر أباك وتخاف من عقابه، تذكر الله وخف من عقابه. وكما تتذكر أباك وتشعر بالدعم والأمان، تذكر الله واشعر معه بالدعم والأمان. وكما تذكر أباك وترفع صوتك فتقول «أنا فلان ابن فلان» مفتخرًا، ارفع صوتك وقل «أنا عبد الله» مفتخرًا. لا تقل كغالبية الناس «أنا عبد الله» تواضعًا وعجزًا بل عزًّا وفخرًا.

 


هل تريد أن تعرف لماذا تُرفض أبحاثك؟ إنك تكتب أوراقًا عامة تناسب كل المجلات. تذكر أن لكل مجلة «قراؤها» (readers)، فالمجلات العلمية تشبه مجلات سيدتي والعربي وزهرة الخليج وجريدة عكاظ والوطن إلخ. فكر على هذا النحو، فثمة قراء يحبون القراءة في مواضيع هذه المجلة أكثر من القراءة في تلك المجلة، وكأنها صحف وجرايد.

أن تكتب بحثًا يناسب كل المجلات يعني ألا يقبله أحد. فلو كتبت بحثًا عن «الهوية» تطبق عليه إطار «إريكسون الحديث» فسيبدو ضعيفًا «نظريًا» لمجلة «النظرية والمجتمع» (Theory & Society)، ولو كتبته لـ «دراسات الخطاب» (Discourse Studies)، فسيبدو ضيقًا «منهجيًا» لمجلة «علم الاجتماع الحالي» (Current Sociology).

 


ما خير طريقة للنشر؟ أن تستهدف المجلة وتكتب لإرضاء قرائها قبل أن تكتب بحثًا لإرضاء نفسك وأهوائها. يتحدد استهداف المجلات من خلال «الإطار النظري»، فالإطار النظري يخبرك لمن تكتب بالتحديد. فثمة إطارات نظرية «نقدية» يحبها القراء العاشقون «للنقد»، وثمة إطارات «تحليلية» يحبها القراء العاشقون «للتحليل»، إلخ.

تريد أن تكتب بحثًا عامًا يناسب الجميع: التزم بمقدمة وإطار نظري محدد (لا إطارين أو ثلاثة) وبمنهجية صارمة (لا ضعيفة ومشتتة) وبيانات وتحليل وخاتمة. التزم بهذا العمود الفقري وستكتب بحثًا يناسب الكل. كيف تحدد مجلة بعد ذلك؟ انظر لإطارك النظري، أي المجلات تحب الاستفاضة عنه تحديدًا؟ تلك المجلة هي ضالتك.  

 


هل تجتهد في مهنتك ولا تجد جزاءً وافيًا؟ ترى من لا يعمل من زملائك وتعمل أكثر منهم، ثم تشعر بإحباط حين تراهم يُجازون ولا تُجازى؟ خذ هذه المعلومة: «إن الله هو الشكور». لا تبحث عن شكر الناس، ولكن ابحث عن شكر الله، «فالله هو الشكور» والشكر صفة من صفاته. لا تقل لماذا لا يشكرني مديري، ولكن قل «وهل يشكرني ربي؟».

يقول الله «وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا»، فهو العليم بصنيعك، الشاكر لعملك، الحافظ لأجرك، «إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا». استشعر ذلك وأنت تعمل لوحدك لا يراك غير الله، فشكرُ الله هو الثناءُ عليك ومجازاتك الجزاء الكامل. اعمل وإن لم يراك الناس، اعمل مستذكرًا أنه لن يَضيع تعبك ولن يَضيع أجرك: «إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا».

 


رأى صاحبي امرأة جميلة، فسألته: هل تريدها بدلًا عن زوجتك؟ قال: لا، لا أريدُ بدلًا عن زوجتي! قلتُ له: صدقني بأن شهوتك في هذه المرأة أكثر من شهوتك في زوجتك. قال: هذا صحيح، ولكنك تحاكمني على الهوى وما أهوى، ولا تحاكمني على ما «يجب» عليّ وما يُؤمّل مني أن أهوى. إن أهواء الإنسان تتنازعه من كل صوب، وعليه ضبطها.

إنك حين تستدين مالًا، تهوى المال وتحب ألا تعيده لصاحبه، ولكنك تضبط هواك فتقضي دينك. إن ثمة كلمة جارحة تهوى أن تقولها لأخيك، ولكنك تضبط هواك فلا تُفلت لسانك. إنك تهوى ألا تعمل ولا تدوام، ولكنك تضبط هواك فتتجه إلى عملك. فأرجوك، لا تسألني عن تلك المرأة هل تهواها؟ اسألني: هل تضبط نفسك عن هواها؟!

 


هل لك أحلام تطاردها وأهداف تتأمل تحقيقها؟ دعني أحاضرك عن الزهد، وأحاضرك بعد الزهد عما هو أفضل من الزهد. الزهد هو أن تتخلى عن هذه الأحلام وتعيش حياتك ببساطة، أن تفكر في كيف تعيش حياتك أكثر مما تفكر في كيف تنجز أهدافك. أن تجعل حياتك بما فيها من لعب وفلة ومتعة قبل مهنتك بما فيها من تعب وقلق ومشقة.

هذا هو الزهد. أما ما هو خيرٌ من الزهد فهو أن تطارد أحلامك وتسعى إلى تحقيق أهدافك ولكن «دون شعور بضغط». هذا هو الشرط: ألا تضغط نفسك وأنت تطارد أحلامك. وجود الضغط يعني أنك تعيش لمهنتك ولا تعيش حياتك. هل تضغط نفسك دائمًا لتُنجز؟ إنّ هذا ما لا يدعو إليه الزهد. الزهد يدعو إلى أن تحقق أهدافك ولكن بلا ضغط.

 


خذها قاعدة: «المشكلة التي تتكرر هي جزء من نظام عام مختلّ». هل لديك مشكلة تتكرر؟ تحلها اليوم فيتحسن الوضع ثم تعود المشكلة بعد 3 أيام وتحلها ويتحسن الوضع ثم تعود بعد شهر؟ إن هذا يعني أن مشكلتك ترس صغير في مكنة أكبر، وأن المكنة الأكبر تتحرك بطريقة ما، فتكسر الترس، ورغم إصلاحه يعود فينكسر بسبب حركة المكنة.

إن انكسار الترس من جديد يعني وجود ضغط عليه، أو يعني وجود ترس آخر يعرضه للحرارة فينكسر، لكنه ليس ترسًا يعمل بمفرده. ثمة شيء عام يحدث فيكسر الترس. هكذا مشكلتك، ثمة شيء عام يحدث في حياتك (ربما تفكير مفرط عام، وسوسة عامة، إساءة ظن عامة إلخ). حين يتحرك هذا الشيء العام، يكسر الترس، فتظهر مشكلتك!

 


خذها قاعدة: «مذهب البصريين أصح من حيث اللفظ، ومذهب الكوفيين أصح من حيث المعنى»، هكذا قيل لحسم الخلاف بين الخليل وسيبويه (= ممثلي البصرة) والكسائي والفراء (= ممثلي الكوفة). فالبصريون يلتزمون بالكلمة واللفظ دون توسع في دلالات المعاني، والكوفيون يلتزمون بالمدلول والمعنى دون توسع في التمسك بالألفاظ.

إن صراع البصرة والكوفة صراع بين اللغة والفكر. فاللفظ لغة والمعنى فكر. فلفظ «إنسان» كلمة بمعنى «الإنسان المألوف» فتتسق به قاعدة، ولذلك البصريون قاعديون، بينما معنى الإنسان مسألة فكرية وجودية تتطلب تحليلات معقدة، ولذلك الكوفيون متفلسفون. تريد بناء قاعدة؟ انظر اللغة واللفظ. تريد بناء فلسفة؟ انظر الفكر والمعنى!

 


لماذا «عينُ الرضا عن كلِ عيبٍ كليلةٌ، ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا»؟ كُلفة المجهود الذهني. فحين يحب الإنسان فلانًا، يعلن الدماغ فيقول «أنا أحب فلانًا». وحين يخطئ فلان، يقول الدماغ «أنا أكره فلانًا» فيُحدِث تناقضًا ذهنيًا يتطلب حلًا. وهنا يستخرج الدماغ عذرًا لفلان ويتمسك به لحل التناقض، فيقول «أنا أحب فلانًا وقد كان له عذر».

في المقابل، حين يكره الإنسان فلانًا، يعلن الدماغ فيقول «أنا أكره فلانًا». وحين يصدق فلان، يقول الدماغ «أنا أحب فلانًا لأنه بدا لي صادقًا» فيُحدِث تناقضًا يتطلب مجهودًا لتسويته وحله. وهنا يتعاجز الدماغ عن الاتيان بعذر يدعم حب فلان وينقض به كره فلان فيعلن عدم وجود العذر الكافي ويرتاح قائلًا «نعم، أنا أكره فلانًا وصدقه لا يكفي لمحبته».